الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الآخر

مركزية الآخر في الثقافة الأبوية لا تريد أن تعترف بالآخر إلا من خلال إلحاقه بها. هكذا فعل الرجل مع المرأة، وهكذا فعل الأوروبي مع العالم الثالث.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/08/02، العدد: 9636، ص(17)]

تقول المرأة للرجل: أنا الآخر الذي يكتمل به وجودك، لكن الرجل يقول لها: أنت الآخر الذي لا تكتملين إلا بي، لأنك خلقت من ضلع صغير مني، ولا وجود لك خارج وجودي. فمن هو الآخر إذن؟

ويقول الرجل الأبيض لابن الجنوب، أنت الآخر الذي لا يشبهني، فيرد عليه ابن الجنوب: وأنت الآخر الذي لا أشبهه، لكنك من دوني لا تدرك أنك الآخر المختلف، وأنا كذلك؟ فما الذي تريده مني أيها الآخر؟

مركزية الآخر في الثقافة الأبوية لا تريد أن تعترف بالآخر إلا من خلال إلحاقه بها. هكذا فعل الرجل مع المرأة، وهكذا فعل الأوروبي مع العالم الثالث. ثمة رؤية دونية من قبل المركز نحو الهامش، تحكم هذه العلاقة، وتقتضي إلحاقه به. فلماذا يُقزَّم وجود الآخر وينظر إليه كوجود ناقص وضعيف، عليه أن يستمد قيمته من خلال استسلامه له وإلحاقه به.

كل منا هو الآخر بالنسبة لمن نختلف عنه، وكل منا يدرك ذاته من خلال هذا الاختلاف. إذن وجود الآخر ضروري لكي نعي ذواتنا، أفرادا أو شعوبا، سواء على مستوى الجنس أو العرق أو الثقافة. الآخر ليس هو مجرد الكائن المختلف عنك، أو الجغرافيا الثقافية البعيدة لشعب ما. الآخر هو الذي تحتاج إليه، لكي تدرك في وجودك غنى الحياة وتعددها. لذلك كل مركزية في العلاقة مع الآخر هي محاولة سلب الآخر “آخريته”، أي استقلاله وحقه في الاختلاف والتميز كوجود وثقافة، تستمدّ معناها من ذاتها، وليس من وجود آخر يقع خارجها.

كل مركزية عرقية أو أيديولوجية أو دينية هي اعتداء على حق الآخر في الوجود، وفي التعبير عن “آخريته”، ومحاولة يائسة لإلغاء الآخر. جميع الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، حاولت أن تبتلع الآخر وتلغي وجوده خارج سلطة الذات المتورمة وقوتها الغاشمة. الإسكندر المقدوني كان الأكثر تعبيرا عن هذه المحاولة، في حين أن الصهيونية كانت هي النقيض. الآخر عندها كان هو الدوني والملعون والمدنس أي الأغيار، فانغلقت على ذاتها وعادت الآخرين.

إذا كان الآخر هو المرآة التي تتعرف من خلالها على صورتك، فهذا يكشف عن مدى حاجتك إلى وجود هذا الآخر المختلف. لكن كونك الآخر لا يعني أن “الآخرية” هي الانغلاق على الذات، خوفا على وجودك كآخر. لا معنى لوجودك دون الآخر، هذا يعني أن تظل جسور الحوار والتفاعل مع الآخر مفتوحة على اتساعها. إن تاريخ الحضارة رحلة من آخر إلى آخر.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر