الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

المادة التي زرعها الاستعمار فأصبحت لغما

كنا نسخر من تناقض هذه المادة مع مادة أخرى، في الدستور نفسه، تحظر قيام الأحزاب على أساس ديني، فإذا كان الإسلام دين الدولة، فلماذا نمنع الأحزاب الدينية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/08/06، العدد: 9640، ص(9)]

هل يدخل المصري المسلم الذي توفي قبل دستور 1923 الجنة؟ خلافا لدستور 1879 ودستور 1882، ابتدع دستور 1923 مــادة الدين. كُتــب الدستور في سياق تاريخي مرتبك، حالة ثورية أعقبت ثورة 1919، ولم تكن قد اكتملت، ولا اتفق قــادتها على كثيـر من القضايا وأولها الدستــور. في ذلــك اللغــط لم ينصت العقلاء، ولا غير العقلاء، إلى عقلاء حذروا، في وقت مبكر، من خطورة المادة 149 التي تقــول: «الإسلام دين الدولــة واللغة العربية لغتها الرسمية».

الآن، وبعد أكثر من تسعين عاما، يجب التنويه بمحمود عزمي وطه حسين، وكل غيور على «الوطن»، ممن انتبهوا إلى لغم زرعه، بحسن نية، رجل طيب من باب الكيد والانتقام الشخصي، في مناقشة فكرية لم يصمد فيها، فاستعان بالدين طرفا. ولعل الاستعمار وجدها ثغرة، أو افتعل الثغرة للتسلل إلى جسد الحركة الوطنية عقب ثورة شعبية رفعت شعار «الدين لله والوطن للجميع»، وبعد خمسة عشر عاما من افتتاح الجامعة المصرية (عام 1908) بكلمة قال فيها سعد زغلول: «هذه جامعة دينها العلم».

إذا أعدنا مشاهدة الفيلم من بدايته، بعيدا عن طرائق الحداثة في السرد السينمائي، سيتأكد لنا قلق الاحتلال البريطاني، في النظر إلى عواقب البعد الاجتماعي لثورة 1919.

يذكر أحمد نبيل الهلالي في كتابه «اليسار الشيوعي المُفتــرى عليه ولعبة خلط الأوراق»، أن الحركة الشيوعيــة المصــرية ظاهرة مصرية محلية، وأن إرهاصــات الفكــر الاشتراكي ظهــرت في أواخر القرن التاسع عشر على «يــد مفكرين مصريين لحما ودما»، حتى قبل انتصار ثورة 1917 في روسيا، واستشهد بكتــب صدرت في وقت مبكــر منها «الاشتراكيــة» 1913 لسلامـة موسـى (1889 - 1958) و«تاريخ المذاهب الاشتراكية» 1915 لمصطفى حسين المنصوري. ثم تأسس الحزب الشيوعي المصري عام 1922 «منبثقا عن الحزب الاشتراكي المصري، الذي كان قد ألفه لفيف من المثقفين المصريين ووقّع على برنامجه كل من سلامة موسى ومحمد عبد الله عنان وآخرون».

بريطانيا التي أسهمت في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بالدعم المادي لحسن البنا، خشيت أن يمتد تأثير النشاط اليساري داخل الطبقة العاملة المصرية، فسربت خطابا في أغسطس 1919 إلى مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي بتوقيع «مسلم هندي»، يسأل عن حكم الدين في طريقة البلشفية؟ فأفتى المفتي بأن البلشفية ضد الشرائع السماوية، وخصوصا الإسلام. رد يساريون مصريون على الشيخ ببيان عنوانه: «خدعوك يا بخيت».

ونشأ ثأر بين الشيخ والاشتراكيين، وكان المفتي في لجنة كتابة دستور 1923، ولم ينس ذلك الثأر، وكان الحزب الشيوعي المصري أُعلن رسميا، واقترح المفتي مادة «الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية»، وأحرج بذلك أعضاء اللجنة، وجاء ترتيب تلك المادة متأخرا، رقم 149 في دستور يتكون من 170 مادة، ثم أصبحت أشهر مادة في الدستور المصري، ويكفي أن تقول «المادة الثانية»، وهي أكثر قداسة لدى البعض من الوطن ذاته، حتى لو ضاع الوطن ومعه المواطن الذي لن يعصمه من القتل دستور ولا غير دستور، كما حدث في قتل الشيعة والتمثيل بجثثهم في 15 يونيو 2012، بعد تحريض سلفيين تكفيريين في ملتقى جماهيري حضره رئيس الدولة الإخواني.

فتنة مادة الدين في دستور 1923 انتبه إليها محمود عزمي (1889 - 1954)، وكتب في ذلك الوقت مقالا عنوانه «العقيدة الدينية في لجنة الدستور»، متوقعا توظيف الدين وتأويله لخدمة مكاسب سياسية، فوجود نص دستوري على أن «للدولة دينا رسميا… سيجرُّ على البلاد ارتباكا قد ينقلب إلى شر مستطير… سيأتي وقت على سكان مصر في هذا القرن العشرين فتقطع الأيدي والأرجل من خلاف… نحن نلفت النظر، وسنستمر على لفت النظر، إلى الخطر المحدق بنا الذي يجيء عن طريق هذا النص».

وقد توفي محمود عزمي في مقر الأمم المتحدة في الثالث من نوفمبر 1954، خلال إلقائه كلمة مصر عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، ونكست لموته الأعلام. أما طه حسين فانتقد هذه المادة في مقال نشره عام 1927، ثم أعاد نشره في كتاب «من بعيد» عام 1935، وقال إن هذا النص «مصدر فرقة لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين من أهل مصر.. مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهم، فهم لم يفهموه على وجه واحد، ولم يتفقوا في تحقيق النتائج التي يجب أن تترتب عليه»، فالشيوخ اتخذوا هذا النص تكئة يعتمدون عليها في تحقيق مطامع سياسية وغير سياسية، وحين صدر الدستور اطمأن إليه الناس إلا الشيوخ فإنهم لم يبتهجوا بنصوص الحريات، وإنما استغلوا الدستور «استغلالا منكرا في حوادث مختلفة أهمها حادثة «الإسلام وأصول الحكم» وحادثة كتاب «في الشعر الجاهلي».

هذا النص.. سيستغل وسيخلق في مصر حزبا خطرا على الحرية، بل خطرا على الحياة السياسية المصرية كلها.. هذا النص قد فرّق بين المسلمين المصريين، وأنشأ في مصر قوة سياسية دينية منظمة أو كالمنظمة تؤيد الرجعية وتجر مصر جرا إلى الوراء.

في عصر حسني مبارك، كان أبناء عزمي وطه حسين يرون هذا النص عنصريا: «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع». ويتأكد لهم أن أنور السادات طور مادة دين الدولة، وجعلها المادة الثانية في الدستور، رشوة للشعب، لكي يتغاضى عن منحه حق الترشح مدى الحياة.

كنا نسخر من حشر اللغة العربية بين دين الدولة وشريعتها، وننتظر اللحظة المواتية لإلغاء هذه المادة العنصرية، ونسخر أيضا من تناقض هذه المادة مع مادة أخرى، في الدستور نفسه، تحظر قيام الأحزاب على أساس ديني، فإذا كان الإسلام دين الدولة، فلماذا نمنع الأحزاب الدينية؟

وبعد خلع مبارك، صدر بيان يوم 16 فبراير 2011 عنوانه «نحو دولة علمانية» يطالب بتعديل المادة الثانية.

وخلال سرقة الثورة، وضع الإخوان في دستورهم المادة 219 العنصرية الطائفية: «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكليّة، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة». وكان ضحاياها أربعة من الشيعة جنوبي القاهرة، قُتلوا وسُحلوا، وسط هتاف الفرحين بالنصر: «الله أكبر».

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر