الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

طروادة بألف حصان

من حلب إلى غزة ومن بغداد إلى دمشق، الزلزالُ يشقِّق الجسد، فيخرج العدو من جسد العدو، ويخرج العدو من جسد الشقيق.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2014/08/10، العدد: 9644، ص(11)]

هل بقيت هناك فرصة لكتابة مقال جديد في التراجيديا السورية؟ مقال يقول جديدا؟ هل بقيت في القاموس كلمات لم يبللها الدم؟

كلمات العقل وكلمات الوجدان، كلمات البيت، وكلمات الطريق، كلمات القاتل والمقتول والمتفرج، ومعها دموع القاموس، كلها غسلت، مراراً، بالدم، ولم تتوقف المذبحة، لتعيدنا كلماتنا وأوهامنا وحقائقنا إلى هاوية التاريخ، وأساطير الغروب، مصعوقين بفكرة الزمن الذي لا يتحرك، الزمن الذي، إن تحرك، فإنما هو يتقهقر بنا إلى الوراء، حيث يربض حجر الإثم الذي كسر به الإنسان رأس الإنسان ليكتب أمثولة الدم.

كأننا في قدر أعمى! ولا خلاص من هذا الشرك الدموي.

* **

هل بقيت هناك فرصة لإنقاذ ما تبقى؟ هل بقي ما يمكن إنقاذه من روح الفكرة وجسد الإنسان، وقد أطبقت السماء على الأرض، وأظلم الوجود؟ فلا فكر يضيء، ولا أمل يلوح.

ها هي الخارطة، من طرفها في الشرق إلى طرفها في الشرق، تحترق، والبشر، مرة أخرى، يلوذون بالجبال، ومن ورائهم الطوفان. لا ينفلق الصخر ليفتح طريق النجاة لهارب، ولا ترحب الأسطورة بالأقدام المرتجفة فتؤويها إلى كهف، لا كهف يعصم هاربا من الطوفان، في هذا المضارع الدموي، وما من مصير آخر أدنى من الهلاك.

***

من حلب إلى غزة ومن بغداد إلى دمشق، الزلزالُ يشقِّق الجسد، فيخرج العدو من جسد العدو، ويخرج العدو من جسد الشقيق، فلا يبقى في كتاب الشرق صفحة إلا ومزّقتها أختها، ولا يبقىفي أديم الأرض ملمح إلا وفيه قبرلجماعةٍ دفنتها جماعةٌ، وأثر صار أثراً بعد عين.

ينشق الجسد عن نفسه وينهال على نفسه ببلطة الوجود. طوفان من الدم يحمل المقتولين والقتلة إلى هاوية واحدة. دم الإثم يخالط دمَ الحرية، ودمُ البراءة دمَ الجريمة. ومن وراءأقنعة الزمن المضارع، ها هي الكاليغولات والنيرونات تتطاول بأشباحها ومناجلها، كلاب جهنم وأبالسة الجحيم تملأ هذا الشرق، وهولاكو الذي نام في كتاب البيت يرسل أنياب التاريخ في بدن الحاضر.

ماذا يكتب الكاتب، وقد صارت كل كتابة محواً؟ كيف يكتب الزمن الجديد نفسه، وقد بات شرق الأرض بمدنه التي عمّرت التاريخ وأورثت البشر اللغة والمعبد وحبوب القمح حطاما يكتب حطاماً؟ أهي ظلمة العقل أم لعنة الجغرافيا؟

***

من فلسطين المتروكة في الحطام إلى سوريا المتروكة في الحطام، لا تسمع الأرض سوى أنين الأشلاء، ونحيب الشاميّات. أهي لمعة سيف العدو ووجه الغريم بلا شبهة، أم هي طروادة بألف حصان؟

لا تشاؤم العقل ينفع، ولا تفاؤل الإرادة، لا جفاف النظرية ولا اخضرار الشجرة. ها قد استهلك القتلة والمقتولون الأمثولات كلها، وأفلسوا بمصارعهم نظريات العالم. قاتل يقتل ليفوز بالغنيمة، وقاتل يقتل ليفوز بالعدم. أهكذا يكتب الشرق نفسه، ولا يمل من التكرار؟ عصبيات وشيع وجماعات، نحلل وملل، وأقوام تتزيا كلها بأزياء الشرق، وتقرأ كتابه، ولا تشتمُّ في قصصه وحكمه وأمثولاته سوى رائحة الدم.

وعلى شاشة عملاقة لمستشرق عبقري: عرب وفرس وكرد وحطام يهود، آل بيت وساكنو خيام، آشوريون وأيزيديون. شرق تهب عليه رياح السموم، وسفينة تطفو على سطح دمها. وبين حجري الرحى: خطبة الرب لشاؤول قاتل العماليق، ووصية الخميني لنسله الفارسي، تطحن المقتلة أعداءها، الأغيار، هادمي هيكل سليمان وإيوان كسرى.

هو، إذن، ثأر الماضي من الحاضر، وانتقام الأشباح من الأحياء. هكذا تبدو الحكاية مرة، ومرات براميل من الدم لقاء براميل من النفط، وقطعة من كتف المدين ثمنا لدين الدائن. والخلاصة: شرق تغرب الشمس في خاصرته الرخوة، لتشرق، أبدا، من وراء البحر على غرب يحصي خسائره وأرباحه بالبراميل. صفَّ الكراسي وجلس يتفرج على حريق اسمه الشرق. ماذا يكتب الكاتب بعد هذا عن الأمل الذي لا بدّ منه؟

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر