الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

مبارك ومماليكه سيفجرون ثورة لن تكون يتيمة

براءة القتلة طعن في شرعية دستور 2014، وقد نصت ديباجته على انتصار الجيش 'للإرادة الشعبية الجارفة في ثورة 25 يناير- 30 يونيو'، وطعن في شرعية السيسي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/08/15، العدد: 9649، ص(9)]

ثورة 25 يناير 2011 المستمرة بإذن الشعب وإرادته ثورة يتيمة. اليتيم من يزعم الجميع أنهم آباؤه، ويمنحونه حنانا مصطنعا، فائضا عن الحاجة في غير أوقات الأبوة الرسمية. كانت الثورة يتيمة بسبب كثرة آبائها، ممن التحقوا بها بعد كسر شوكة بوليس مبارك في جمعة الغضب (28 يناير)، أو من نسبوا أنفسهم إليها، حتى أن محمد مرسي قال في ذكرى الثورة، 25 يناير 2013: «إن الشرطة كانت في القلب من 25 يناير 2011»، وتلك مزحة لا تليق برئيس، ولا شريك في ثورة لم ترفع في أيامها الأولى شعار «عيش}، لأنها لم تكن ثورة جياع، وإنما هم باحثون عن الحرية. شعار 25 يناير الدقيق: «تغيير- حرية- عدالة اجتماعية».

تزييف الثورة حدث قبل خلع مبارك، ففي يوم الجمعة 11 فبراير 2011. بدأ أنور الهواري مقاله في (الأهرام المسائي) بهذا اليقين: «حسني مبارك اختار أن يكون شريكا في ثورة الشباب». تزوير مزدوج، فادح وفاضح، لمماليك مبارك الحق في أن يقولوا، عن مبارك وعن سدنة عرشه، ما يشاؤون، ولكن الثورة في عموم البلاد لم تكن تخص الشباب، هذا اختزال يؤكد عوارا في خيال صحفي نسب إلى مبارك ما عجزت عنه أجهزة إعلام مبارك. ثم قال إن مبارك «قرر أن يختتم عصره بإطلاق الشباب في ميادين الحرية». المسألة إذن ليست مجرد شراكة في الثورة، كان بدء المقال بحكاية الشراكة مجرد «جر رجل» للقارئ، ليكتشف أن مبارك مفجر الثورة وقائدها، وأن المطالبة برحيله وإسقاط نظامه عبث يمارسه مراهقون «هم الدليل على أن عهده لم يكن قمعا وكبتا وقهرا وتكميما للأفواه وإسكاتا للأصوات».

قلت في التلفزيون إن أحدا لو تعمد الإساءة إلى ما بعد 30 يونيو 2013، فلن يفعل أكثر من الحكم بإعدام 527 مواطنا، وهو حكم أصدره قاض في مارس 2014. أيا كانت الجرائم فإن الإفراط والاستسهال في إصدار أحكام، ولو ابتدائية، بإعدام العشرات سيخلق استهانة عامة، شعبية ودولية بالحكم؛ الحكم القضائي، ونظام الحكم. أما قمة المساخر فهي جلسات محاكمة مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي ومساعديه المتهمين بقتل المتظاهرين. هذه أيام الكوميديا السوداء التي اختتمت الأربعاء (13 أغسطس) بمرافعة مبارك.

لا توجد في التاريخ ثورة بيضاء، ربما استثناءات تؤكد القاعدة. الأصل في الثورة أنها فعل يتجاوز التمرد. التمرد قصيدة تنشد الأمل، ثم تأتي الثورة لتحقيق هذا الطموح، عبر عوامل بعضها يبلغ قمة التراجيديا التي تحتمل أي شيء إلا المسخرة. وقد بدأت المسخرة حين رفض من زعموا أنهم آباء الثورة اليتيمة المحاكمات الثورية، وطالب الإخوان المسلمون أهالي شهداء ثورة 25 يناير بقبول الدية. حوكم مبارك ورجاله جنائيا، وأشهد الله أنه قاتل، إن لم يكن بالرصاص فبالإهمال وإفساد التعليم وتلويث الأغذية وبيع ممتلكات البلاد، وتسميم الجو العام.

ولكن الجلسات الأخيرة تحولت إلى مسخرة أسهم فيها القاضي. القضية جنائية، أركانها: متهمون بالقتل، وقتلى وجرحى، وأدوات للجريمة، وشهود نفي وإثبات، وأدلة وقرائن. فما دخل السياسة في هذا كله؟

في المحاكمات الجنائية يتولى القاضي «إخراج» الجلسات على نحو أفضل. يستمع بصبر لأي كلام ما لم يكن خارج الأركان السابقة، فإذا حاول محام أو متهم أو شاهد أن يستعرض بالخروج عن موضوع الاتهام، منعه القاضي قائلا: «ادخل في الموضوع»، «طلباتك»، «وبناء عليه».

ولكن قاضي المحكمة كان سخيا، وترك المجال للمتهمين بقتل الشهداء ليتحدثوا في كل شيء. نفي عملية توريث الحكم لمبارك الصغير، واسمه «جمال»، ولا علاقة للقتل بإثبات التوريث أو نفيه. شيطنة رموز الثورة، وهو باب ربما يفضي بمصر إلى مصير الثورة الرومانية. التأكيد على أن 25 يناير مؤامرة. وأخيرا وجد مبارك الفرصة، واكتسب ثقة وآن له أن يمد رجليه، ويتحدث في الجلسة الأخيرة كرئيس للدولة، بعد أن بدا مذعورا ومرتبكا في الجلسة الأولى.

تأثر القاضي، وفاضت عيناه من الدمع حزنا، وهو يستمع إلى مملوك كان مساعدا للوزير المتهم بالقتل. هو نفسه القاضي الذي لم يبد دهشة، حين قال وزير الداخلية المتهم بالقتل إنه كان في «الأسر»، وأعلن أنه كان يتجسس على اتصالات هاتفية للمواطنين، المواطنات بالذات، ويستخدم التسجيلات في ابتزاز النساء «ومنها تجنيد» كما قال.

في السطور الأخيرة من «ثرثرة فوق النيل» قال بطل رواية نجيب محفوظ : «أصل المتاعب مهارة قرد !.. تعلم كيف يسير على قدميه فحرر يديه.. وهبط من فوق الأشجار إلى أرض الغابة». الغابة جاهزة، وهذه مسخرة مهينة لدماء الشهداء وتضحيات الحالمين بالعدل والحرية وبعضهم في الأسر. براءة القتلة طعن في شرعية دستور 2014، وقد نصت ديباجته على انتصار الجيش «للإرادة الشعبية الجارفة في ثورة 25 يناير- 30 يونيو»، وطعن في شرعية السيسي. لو فشلت الثورة لظل مبارك طاغية، وحبيب العادلي وزير القبضة الحديدية.

براءة القتلة ستؤدي إلى ثورة جديدة، لن تكون يتيمة هذه المرة، فاليتامى نضجوا. أنضجتهم المرارة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر