الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

نهاية حاكم

هل أن السياسات التي أوصلت العراق إلى هذا الحال يتحمل مسؤولياتها المالكي وحده، وهو ابن البيت الشيعي، وابن حزب الدعوة التنظيم الأكثر تماسكاً عن غيره من كتل الإسلام السياسي الشيعي.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/08/18، العدد: 9652، ص(8)]

ما حصل يوم الخميس الماضي، الرابع عشر من هذا الشهر والمتمثل في إذعان نوري المالكي وتخليه عن تجديد حكمه لأربع سنوات أخرى، لم يحصل في التاريخ السياسي العراقي المعاصر حيث يزاح الحكام عبر الانقلابات العسكرية أو الاحتلال الأجنبي وغالباً ما كان مصيرهم القتل.

أما الحالة الجديدة فقد استخدمت فيها وسائل الضغوط السياسية الهائلة والتفاهمات المحلية والإقليمية والدولية، لإجبار المالكي على الإذعان، ولم تكن هذه الضغوط لتتحقق بهذه الصورة لولا وصول العراق إلى حافة الهاوية بسبب خضوع ثلث العراق لدولة داعش الإسلامية، واقتراب الأكراد من إعلان دولتهم الكردستانية، وبقاء العرب السنة على الهامش. فيما اعتقد المالكي أنه يحكم الشيعة الذين أعلنوا تخليهم عنه، مما دفع الأميركان والإيرانيين إلى إعلان حالة الطوارئ القصوى، وتنفيذ عملية الإزاحة بتدابير وخطط سياسية ماكرة لا يرقى سياسيو العراق إلى مراتبها، مما جعل كثرا من المراقبين يعتقدون أن الأميركان عائدون إلى العراق بزخم ورؤية جديدتين.

هناك تساؤلات تتجاوز الناحية الشكلية المتعلقة بإزاحة المالكي عن تجديد حكمه أهمها: لماذا انتهى المالكي بهذا الشكل الدراماتيكي؟ هل أن السياسات التي أوصلت العراق إلى هذا الحال يتحمل مسؤولياتها المالكي وحده، وهو ابن البيت الشيعي، وابن حزب الدعوة التنظيم الأكثر تماسكاً عن غيره من كتل الإسلام السياسي الشيعي؟

هل إن الإصرار على تنحية نوري المالكي من قبل البيت الشيعي بسبب تمرده عن طاعة المرجعية العقائدية وانفراده بالحكم، مع أن جميع الأطراف السياسية الشيعية مشاركة في المنظومات التشريعية والتنفيذية للحكم؟ أم أن تلك الأطراف شعرت بلحظات ضياع الحكم؟

هل إن العرب السنة، المبتهجين برحيل المالكي، سيرحبون بحيدر العبادي؟ ولماذا؟

لماذا وصلت كل من طهران وواشنطن- باختلاف درجة التأثير بينهما- إلى نقطة التخلي عن المالكي؟

الإجابة عن هذه التساؤلات تقود إلى محاكمة فترة الحكم من عام 2003 إلى حد الآن، وإدارة المالكي جزء منها، وقد يجد سياسيو البيت الشيعي مبررات نقدهم للمالكي في عوامل داخلية صرفة، تتعلق بمنهج عقيدتهم المذهبية وطرائق التعامل مع الجمهور العراقي، ودرجة تأثيرات طهران في ذلك. ولهذا فإنهم يعتقدون أن الحفاظ على حكمهم للعراق يتطلب تنشيط موضعي للعملية السياسية، باستبدال المالكي ومجيء آخر من داخل البيت الشيعي، يكون خاضعاً لهذا البيت الذي سيصدر نظاماً داخلياً يكبح الجموح الفردي لممثل الكتلة الشيعية، ويدير الحكم بطريقة أكثر خضوعاً لإرادتها، ويصبح رئيساً لمجلس الوزراء وليس حاكماً للعراق، وأقل استفزازاً للآخرين، ويحقق مرونة في التعاطي مع القضايا الوطنية وانفراجا محسوباً تجاه أزمة العرب السنة، دون المساس بالثوابت التي يحتفظ بها البعض ولن يسمحوا بالتخلي عنها، وهي أم المشاكل (قانون المساءلة والعدالة والمصالحة).

ولأن درجة الفشل عالية وأزمات البلد وصلت إلى الهاوية، فإن رئيس مجلس الوزراء الجديد سيبدو “منقذاً” عند البعض خصوصاً عند المتضررين الأكثر مأساوية، ويتوقعون منه اتخاذ إجراءات قد تدخل نوعاً من الانفراج النفسي، لكنها ليست تحولاً جذرياً في المنهج. مع أن كثيراً من التسريبات تقول إن الأميركان الذين أداروا عملية “الإزاحة المالكية”، قد وضعوا قائمة من الإجراءات السياسية المهمة التي اشترطوها على حيدر العبادي لكي يتم تصحيح الأوضاع، ويحقق مشاركة أوسع للعرب السنة، مع أن الجوهر في تلك السياسات هم الذين صنعوا قواعدها خلال فترة الحاكم بول بريمر، إلا أن مخاطر داعش التي أخذت تقترب من أبواب منابع النفط بكركوك، عززت اعتقادهم بأن تغيير المالكي قد يفتح الباب أمام هزيمة داعش. كما أن الإيرانيين وصلوا إلى ذات القناعة لكي يحافظوا على نفوذهم الذي أخذت أمواجه تتكسر على وقع الضربات الداعشية شمال وغرب العراق.

الترحيب الحاصل لدى الأكراد نبع من كونهم وصلوا مع المالكي إلى نقطة اللاعودة، وهم يواجهون مخاطر دخول داعش إلى أربيل وكركوك، وقد تحقق الدعم الأميركي الذي انتظروه طويلا، وسيشكل قاعدة تعاون استراتيجي أميركي- كردي يقول البعض إنه سيعزز قدرتهم على بناء دولتهم الجديدة. ورغم حصولهم على كركوك عسكريا، إلا أن انفصالهم عن العراق سيتأخر حتى تبين ما سيحصلون عليه في الحكومة الجديدة.

والعرب السنة المشاركون في العملية السياسية، مستبشرون أيضاً لكنه استبشار من ينتظر “الكعكة”، فهم غير قادرين على التسلح بالمشروع الوطني الذي لم تتمكن أدواته من الفوز في الانتخابات الأخيرة لحسابات معروفة، وقد يرفعون شعارات الحراك الشعبي في الأنبار وغيرها، لكنها ستستخدم- من قبلهم- كأوراق لمساومات المغانم الحكومية، وليس لمطالب إجراء عملية إصلاح جذري في العملية السياسية.

لكن أبناء العراق ونخبه الثقافية والسياسية وبعض الحركات السياسية المؤمنة بالمشروع الوطني وتحمل رايته ممن هم داخل العملية السياسية والكثر هم خارجها، يرون أن ما حصل على يد المالكي لا يتحمل مسؤوليته هو وحده، لأنه نتاج الإسلام السياسي الشيعي، ونتاج العملية السياسية القائمة والمستندة على الطائفية السياسية (سنة- شيعة- أكراد)، وهذه هي خلاصة فترة حكم مليئة بالظلم والقهر وغياب للعدالة والسلم الأهلي، وهيمنة المليشيات المسلحة، وما أنتجته قوانين “المساءلة والعدالة” ومادة “أربعة إرهاب” من ظلم للأبرياء وتجاوز للحرمات والكرامات داخل المعتقلات الكيدية وخارجها، ومن عمليات تهجير للمواطنين من مساكنهم على الشبهة وعلى الهوية الطائفية، والحل الحقيقي يكمن في وقفة وطنية جادة تستثمر المرحلة الانتقالية للحكومة لإجراء عملية إصلاح جذري شامل في العملية السياسية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر