الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

البحث عن وطن لا يشبه الأوطان

ينتج العقل العربي طريقة تفكير حالمة بل وفنطازية علها تكون بديلا موضوعيا لأوطان تحتضر أو تعاني من الشيخوخة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/08/18، العدد: 9652، ص(8)]

لا شك أن للأوطان والممالك أعمارا افتراضية وأعمارا فعلية، وليس غريبا فهم مقولة “أمم سادت ثم بادت”، أو قوله تعالى “أمم قد خلت من قبلكم”، وعلى هذا الأساس، ومتى ما تظهر على الأوطان علامات التصدع والشيخوخة حتى ينبري من يهمهم الأمر برسم ملامح وطن بديل افتراضي فيه ملامح وعلامات وجينات وراثية من أوطان شتى، في تكوين هجين يجمع كل ملامح الأوطان الجميلة وخصالها القابلة للحياة.

هكذا ينتج العقل العربي طريقة تفكير حالمة بل وفنطازية علها تكون بديلا موضوعيا لأوطان تحتضر أو تعاني من الشيخوخة، ولهذا ليس مستغربا أن تعاد أسطورة “الرجل المريض” إبان شيخوخة الدولة العثمانية أو الاستعمار البريطاني، وصولا إلى إطلاق اسم القارة العجوز على القارة الأوروبية.

هذا التفكير المفعم بالطوباوية يجد نفسه في مأزق وبين قوتين: القوة الأولى تقود إلى مواصفات الدولة المدنية التي أنتجتها مخاضات عسيرة على صعيد الأمم الأوروبية والولايات المتحدة بشكل خاص، وشكّل ملامحها الثقافية عصر الأنوار، وصولا إلى تقاسم مناطق النزاع في الحرب العالمية الأولى. فالدولة المدنية مرت قرون على ولادتها، وظلت أوروبا تنازع الكهنوت الكنسي زمنا طويلا، وقدّمت على محراب ذلك الكثير من التضحيات وشهدت العديد من المآسي.

القوة الثانية هي يوتوبيا الإسلام السياسي بكل سردياته المعقدة التي طالما تخضع لجدليات (وفي رواية أخرى) إنه نسق افتراضي للمدينة الفاضلة التي تستند إلى الحاكمية الإلهية ودولة الخلافة، ولأنها مرتبطة بتراكم وجداني جمعي مقترن بطهرانية في قلوب وعقول الناس خاصة البسطاء منهم، فقد وجدت أطروحاته سوقا رائجة لها في أشد البيئات تخلفا وفقرا، وذلك إما انتظارا لدولة العدل والمساواة حيث تنزل الأرزاق متساوية ومطرا يغمر الجميع، أو رحيلا إلى جنان وسعها السماوات والأرض بتزكية من الخليفة الأرضي، وربما بصك غفران أو مفتاح جنة منه.

لعل هذين الاتجاهين المتعاكسين هما الأكثر عرضة للمواجهة، ولكن لأن المنادين بالدولة المدنية السلمية لا يملكون إلا التصورات والمبادئ، فهم يجدون أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه أمام الدغمائية التي شهدناها، ونشهدها اليوم، من ناحية الإسلام السياسي المدجج بالأيديولوجيا من جهة، وبالإمكانيات المادية من جهة ثانية، والسرعة الفائقة في الانتقال إلى مرحلة العنف والدم والانتقام وهو ما يعجز عنه الحالمون بالدولة المدنية فلا يتمكنون من مجاراته.

وعودا على بدء، إنهم يبحثون عن وطن بمواصفات أخرى، وطن يمتلك صفات هجينية من أوطان بنت نفسها عبر أزمنة غير محدودة من الصراعات والتحرر من السلطات الكهنوتية وعنفها، أو وطن يبحث عن مملكة كهنوتيته في شكل يوتوبيا، وكأنها ستعيش في كوكب فريد لا علاقة له بنظام البنوك والإنترنت والبورصة والسينما والثقافات المتنوعة والمرأة المتحررة في أنحاء العالم وحرية الصحافة وحقوق الإنسان والتعليم عن بعد وغزو الفضاء وما إلى ذلك. ما بين المأزقين يواصل المواطن البحث عن وطن افتراضي يكون بديلا لهذا الوطن المتهالك.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر