الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

غياب المعنى وتغييبه في الثورة المصرية

في العجين السياسي المصري يهان المعنى، ويغيب في ضباب فتاوى التكفير وصخبها، إحدى سمات جرأة محدودي الموهبة، ممن استيقظوا بعد الظهر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/08/19، العدد: 9653، ص(9)]

ألا أكون باحثا فهذا يعفيني عناء الصرامة البحثية، ويجعلني أكثر حرية، وإهمالا أحيانا في التثبت من بعض المقولات. ولا أدري متى قرأت قول رالف والدو إمرسون (1803- 1882): “ليس في العالم، في وقت واحد، أكثر من اثني عشر شخصا يقرأون أفلاطون ويفهمونه، وليس من بين هؤلاء من يستطيع أن يشتري نسخة واحدة من مؤلفاته، ومع ذلك فإن هذه المؤلفات تنحدر، من جيل إلى جيل، من أجل هذه القلة من القراء، كأن الله يحملها لهم بين يديه”. لم يدرك إمرسون كتّابا عظاما في حجم كازانتزاكيس (1883- 1957)، لا أتحدث عن “زوربا”، ولا عن سيرته الذاتية “تقرير إلى جريكو”، لو لم يكتب غيرها، ولو لم يترجم ممدوح عدوان غيرها، لكفتهما معا. وإنما أكتب هذه السطور في محبة كتاب “دفاع عن الأدب” لجورج ديهاميل (1884- 1966)، وهو روائي وناقد وطبيب عمل في مستشفيات ميدانية، طوال الحرب العالمية الأولى. كتاب ديهاميل أفادني وأرهقني، وطاردني منذ انطلاق الثورة في يناير 2011 ولا يزال.

لأمثال كازانتزاكيس وديهاميل بصيرة عابرة للزمن، تمنح ما يكتبون قبسا من جمال وقوة تتجاوز المؤلف وعصره، إلى أزمنة وأجيال لاحقة من القراء. هؤلاء يدركون جلال الكلمة، ففي البدء كانت الكلمة، “والكلمة، لكي تمسني، يجب أن تصبح لحما حارا. وعندها فقط أفهم، عندما أستطيع أن أشمّها وأراها وألمسها”، كما قال كازانتزاكيس. أما ديهاميل فكتب: “رعشة القداسة التي كنا نحسها أمام الصفحة البيضاء، والشعور بأننا نمسك في إجلال أداة مجيدة، وأننا نكتب تحت رقابة مئة من الأساتذة المبجلين ينظرون إلينا بأعين يقظة، كل هذا لا يمكن أن يتفق مع هيئة اجتماعية مشدوهة بعجيج الأصوات وصيحات المزايدات وصخب التجارة”. ما علاقة هذا بالثورة المصرية؟

ربما كان كلام ديهاميل نظريا، ثم جاءت الثورة لكي تعطيه معنى، بل تمنحه “المعنى”، وسط عجيج وصيحات ومزايدات وصخب، يرفعه ويهتف به “أهل اليقين” الديني والوطني والثوري والإنساني، إذ يمنحون أنفسهم حق إصدار فتاوى التكفير الديني والوطني والثوري والإنساني، وفي زحام هذه الفتاوى المجانية فإن “الهروب إلى الكلمات دليل على غياب المعنى”، إذا استعرنا مقولة المهدي المنجرة.

بعد انطلاق الثورات، تعيش الدول “حالة الثورة”، وفيها نحتاج إلى تذكر كلام- نبوءة لينين في كتابه “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية”، واستدعاء نظرية الإسقاط في علم النفس، لتفسير سلوك المرضى بالاضطهاد، ومن اضطهدوا فعلا، ولم تُتح لهم القدرة على تجاوز الانحناء، وممارسة الاستبداد، إلا نظريا في مرحلة “حالة الثورة”، قبل أن تضع الثورات أوزارها، نجاحا أو فشلا، حيث “يُسقطون” تشوهاتهم الروحية وكراهيتهم للبشر، على الآخرين، ويقتاتون السياسة، للمرة الأولى في خريف الأعمار.

في الكتاب الذي ألفه ديهاميل عام 1936، وترجمه محمد مندور، تحذير من “شهوة السياسة”، فيقول الرجل: “السياسة والحب في فرنسا هما لذة الفقير، اللذتان المجانيتان. والطلب في القهوة الصغيرة يكلف… أما السياسة فلا تكلف شيئا. وهي تثمل وتثير انفعالات وتجني مفاجآت… وهي تتغذى بكل الشهوات، وخاصة بأحطها، فهي غنيمة طيّبة للنفوس الخاوية”.

في العجين السياسي المصري يهان المعنى، ويغيب في ضباب وصخب فتاوى التكفير، إحدى سمات جرأة محدودي الموهبة، ممن استيقظوا بعد الظهر، ومنهم مستشرقون عرب يحلو لهم ترديد ما تنتقيه لهم وسائل إعلام غير بريئة، فأفران السياسة من صحف وبرامج فضائية تحتاج إلى وقود، وقد أصبحت السياسة حرفة. وقد دعا ديهاميل إلى أن “توضع في يد المحترفين… إن الشعب الذي يضطر راضيا أو كارها إلى أن يخصص خير وقته لمسائل السياسة ليلوح لي في حالة انحلال… الحمى السياسية قد وصلت إلى أناس كان من الواجب أن يظلوا بعيدين عنها بحكم أذواقهم… اختلال عميق خطر في حياتنا الاجتماعية”، إنه داء مخيف.

أهدي هذه السطور إلى ديهاميل الذي أبكاني مرتين، في أربعاءين.. 9 فبراير 2011، و5 ديسمبر 2012 يوم عدوان الإخوان على معتصمي القصر الجمهوري. طوال 18 يوما قبل خلع مبارك لم تبكني مشاهد الدم، باستثناء صور للشهداء في برنامج تلفزيوني شاهدته مصادفة صباح الأربعاء 9 فبراير 2011. كانوا صغارا على القتل، خرجوا مسالمين، في معركة غير متكافئة، لا يملكون فيها إلا حناجرهم، ولكن رجال الشرطة لا يتكلمون، تعودوا أن يسمعوا ويطيعوا وإن تأمر عليهم جاهل، وعاجلوا الأبرياء برصاص حصد أرواحهم. أبكاني توالي الصور، وقد ثقب الرصاص الذقن أو الجبهة أو البطن، والدماء تخفي ملامح الوجوه والثياب. بكيت. كنت وحدي في البيت وأجهشت بالبكاء، وأغلقت التلفزيون، ولعنت الشرطة والبرنامج الذي يريد أن يفسد يومي. عجبت من بكائي، للمرة الأولى، منذ بدأت الثورة، كيف أبكي وما أراه ليس جديدا ولا مدهشا؟ وقد سقط الذين لا أعرف أسماءهم جرحى وصرعى، في “جمعة الغضب” وفي “موقعة الجمل”.

في الطريق إلى الميدان تذكرت هامشا في كتاب (الوسيط في تشريعات الصحافة) لعماد عبدالحميد النجار. درسنا هذا الكتاب في الجامعة قبل نحو 25 عاما، وبقي منه في نفسي هامش يفسر لي سر بكائي.

هامش من بضعة أسطر ظل محفورا في الذاكرة أكثر من متن كتاب يزيد على 500 صفحة، الهامش مصدره كتاب “دفاع عن الأدب”، لديهاميل الذي قال إنه قابل أثناء الحرب طبيبا “في منتهى القسوة، جافي القلب… وكان يلوح أن مناظر البؤس والآلام والجراح لم تعد تؤثر فيه، وكان يحتفظ في أداء واجبه المخيف ببرود أرستقراطي تلونه السخرية في بعض الأحيان. ولكن حدث يوما أن دخلت على هذا الرجل فدهشت إذ وجدته وقد أغرقت الدموع وجهه، وهو يقرأ كتابا عن الحرب. كتابا يقص عليه نفس ما كان يرى كل يوم وكل دقيقة. ولو أنني كنت أجهل قدرة الألفاظ لاستطعت أن أدركها في تلك الساعة”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر