الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

المواطن لا يقول شيئا والباب العالي لا يسمع

الإسلام السياسي سيبقى يتخبط بين الانتماء إلى الأزمنة المعاصرة، وبين الانتماء إلى دولة الخلافة التي من مقوماتها مواطن يقول وحاكم يسمع.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/08/22، العدد: 9656، ص(9)]

هنا في هذه الأوطان الكئيبة يمكن الخروج بمعادلات غرائبية في التعامل مع الوطن والمواطن، المواطن كان على الدوام رقما إحصائيا في تعداد السكان، وكان غالبا عبئا على الحاكم والدولة بشكل ما، عبئا إضافيا، إذا وفر له الخدمات لم يأمن مطالبه بالوظيفة، وإذا وفر له المأوى لم يأمن مطالبه بالبنى التحتية، وإن وفر له هذه وتلك من أجل أن يغلق فمه ويسكت وينام، فإنه يفاجأ بهذا المواطن الجاحد الذي ينكر الجميل فيمس الباب العالي وولي الأمر منتقدا السياسات وهدر الثروات فيتدخل فيما لا يعنيه.

في واقع الأمر إنها تراتبية مرت عليها دهور عديدة وورثها النظام العربي برمته، فهو نظام تم تصميمه وإدامة عمره الافتراضي على أساس فرضيات وأحيانا أسس من أهمها وفي مقدمتها أن المواطن غير مهيأ، لا عقليا ولا نفسيا، لكي يخوض في ما لا يعنيه من أمور وشؤون الدولة ولا في استفتائه في اتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بالشعب والوطن، وكان على هذا المواطن الذي عليه أن يسير على السكة أن يغلق عينيه ويصم أذنيه ويغلق فمه عند الحديث في كل ما لا يعنيه من قرارات الباب العالي واجتهاداته وتصرفاته المالية.

وعلى هذا الأساس أيضا عُدّت كثير من المفردات التي يتعامل بها الباب العالي من أسرار الدولة العليا التي لا يجوز للمواطن العادي الخوض فيها، ولهذا أيضا تم تصميم شكل للمواطن المثالي الذي لا يتدخل فيما لا يعنيه من جهة، والذي يسلم بما يفعله الباب العالي ويتخذه من قرارات حتى وإن كان متناقضا ويفعل الشيء وضده خلال مدد زمنية متقاربة من جهة أخرى، فإنه مما يجب التسليم به والدفاع عنه حتى لو خلق إحساسا بالفصام لدى المواطن فالبراغماتية تبرر الصمت، والغاية تبرر الوسيلة.

هذا الواقع أنتج مواطنا بمواصفات نمطية تتكرر بتكرار ظهور أنظمة الحكم والحاكمين، وعلى أساسها كانت مواصفات هذا المواطن غير قابلة للتعديل، رغم تغير الأزمنة والقوانين ولغة العصر وأشكال أنظمة الحكم وحقوق الناس في سياق الحاكمية المدنية، التي تجعل من المواطن صانعا لشكل الحكم الرشيد ومقوّما لمسيرة الحاكم، ولا تغادر مقولة الخليفة عمر بن الخطاب الأذهان يوم قال “أرأيت لو ترخصتُ في بعض الأمور ما أنتم فاعلين، فقال أحدهم: “والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا، فرد عمر قائلا: “الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمر بسيفه وقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فيّ إن لم أسمعها”.

الحاصل أن الفارق بين “من يقول” وبين “من يسمع″ إنما يجسد الفارق بين المواطن الذي صممه النظام العربي كي لا يقول، والباب العالي الذي لا يسمع، حتى إذا سنحت الفرصة لمن يزجّ نظام الحكم في توليفة كهنوتية تعتمد الإسلام السياسي بديلا وتخريجا صرنا في مأزق أشد ضراوة مما سبق، فالحجة الدامغة التي يقدمها الخليفة الفاروق عندما يقاربها الإسلام السياسي ستعود بنا القهقرى إلى منظومة المواطن الأصم الأعمى الأخرس الذي يعد خروجه على الحاكم بأمره كفرا ومروقا، وأن نهايته نار جهنم وبئس المصير، لأن المواطن الذي يقول ما هو إلا منتج للفتن، وهو ما يجب أن يجري التخلص منه أو إجراء عملية غسيل الدماغ له لصنع “أخ” تابع للماكنة الكهنوتية لذلك النمط من الإسلام السياسي الذي سيبقى يتخبط بين الانتماء إلى الأزمنة المعاصرة، وبين الانتماء إلى دولة الخلافة التي من أهم مقوماتها مواطن يقول وحاكم يسمع، وهما عنصران سيتم ازالتهما شرعيا لأنهما سيعدان من آثام الديمقراطية والليبرالية التي لابد من التخلص منها، وأما الحاكم بأمره فإنه سيسمع بكل تأكيد ولكنه سيسمع فقط ما يطربه ويسره.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر