الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

تاريخ من العار

ما نحتاجه حتى نستطيع الحوار مع هذا الآخر هو أن نقيم حوارا موضوعيا ومنفتحا دون أحكام مسبقة فيما بيننا كمذاهب وأديان وإثنيات مختلفة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/08/25، العدد: 9659، ص(15)]

مع تزايد ظاهرة التطرف والتعصب الديني، أصبحت الحدود المرسومة بين الطوائف والأديان حتى في الثقافة الواحدة مرسومة بحدّ السكين، وبالتالي أصبحت الثقافة التي كنا ننتمي إليها ظاهريا، ثقافات تعبّر عن بروز هذه الملل والنحل، التي تركت تحت ثقل موروثها التاريخي، دون أن نجرؤ على المكاشفة والحوار فيما بيننا، خارج ثقافة كل طائفة أو دين آخر.

قبل سنوات ظهرت الدعوة إلى حوار الثقافات كردّ على مقولة صراع الحضارات. أصحاب هذا الطرح الذين أرادوا أن يردّوا على تعصب وعدوانية بعض غلاة مفكري الغرب بإبراز الفكر الإنساني للشرق نسوا أو تناسوا أن هذه الدعوة على أهميتها ودلالاتها، هناك ما هو نحن بأمس الحاجة إليه قبل أن نفكر في الدعوة إلى الحوار مع الغرب، الذي ينظر إلينا بوصفنا الآخرين المختلفين عنه، انطلاقا من مركزيته الثقافية والاقتصادية والعلمية والعسكرية. ما نحتاجه حتى نستطيع الحوار مع هذا الآخر هو أن نقيم حوارا موضوعيا ومنفتحا دون أحكام مسبقة فيما بيننا كمذاهب وأديان وإثنيات مختلفة.

أقيمت مؤتمرات وأنشئت هيئات لهذا الحوار، لكنها لم تستطع فعل شيء تجاه تنامي ظاهرة التطرف ورفض الآخر المختلف. لذلك يجب البحث في أسباب هذا الإخفاق والفشل، ومن ثم العمل على إعادة صياغة رؤية جديدة، تتجاوز إطار العلاقات العامة والنوايا الحسنة، إلى طرح القضايا الإشكالية والخلافية، من خلال فكر عصري متقدم يأخذ في اعتباره أولا حاجتنا إلى عبور الماضي نحو المستقبل والحداثة والتقدم وبناء وطنية جامعة خارج أيّ إطار مذهبي أو ديني.

أوروبا التي خاضت حروب المئة عام وغيرها من حروب السنوات العشر استطاعت أن تنتهي إلى تجاوز كل هذا الإرث ومسألة من يملك الحقيقة ويمثل المسيحية، إلى مرحلة جديدة أصبح فيها الدين مسألة فردية، والمواطنة مسألة جماعية يجب أن تقوم على أساس عقد اجتماعي بين الجميع. هذا الفكر المدني والعقلاني هو الذي أسس لقيام الحداثة والتقدم الحضاري الغربي.

نحن لا نزال نعتبر أن ليس من حق من ينتمي إلى دين أو طائفة مختلفة أن يتحدث في قضايا دين أو طوائف أخرى، رغم أننا نحيا في فضاء ثقافي واحد من المفروض أن يعبّر في هويته عن الهويات المتعددة لنا. لكن صعود التطرف والعنف أدّى إلى حالة من الانغلاق على الذات، واستيقاظ العصبيات والغرائز. هذا يجعلنا نعيش عصر الطوائف، وأكثر من هذا نحن في عصر الجماعات المتطرفة والحدود المرسومة بالدم وبالرايات السوداء. فأيّ تاريخ من العار نصنعه لأنفسنا.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر