الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثعبان الأقرع: المعركة غير المقدسة

لا أتصور الثعبان الأقرع والإمام البخاري من ثوابت الدين. البخاري يُؤخذ من كتابه ويرد، وقد أفاض علماء في هذا الأمر على مدى أكثر من خمسين عاما.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/08/27، العدد: 9661، ص(9)]

من المأثورات النبوية الإنسانية حديث له عدة روايات، كلها عن حرمة الدم، التي يهون إلى جوارها هدم الكعبة حجرا حجرا. يغيب هذا الحديث، وسط تسونامي جيش الدفاع عن “حقيقة” الثعبان الأقرع، وعذاب القبر. إعصار يُذهب عقل الحليم، ويجبره على الصمت، بعد استخدام وسائل ترهيب: فتاوى رسمية، ومقالات وبرامج فضائية، كأن أحدا أساء إلى الذات الإلهية.

أن يشرك الملايين بالله، وأن ينكر الملايين وجود إله، فهذا لا ينتقص من ملك الله شيئا، ولا يدعوه، سبحانه، إلى أن يأمر المسلمين بإعلان الحرب على مشككين وملحدين، واستتابتهم، فلو شاء الله لهدى الناس جميعا. ولا أظن التشكيك في عذاب القبر، أو صحيح البخاري يحتاج إلى هذه الثورة، وإعلان معركة غير مقدسة.

في يونيو 2010 كان أحمد الطيب شيخ الأزهر عضوا في الحزب الحاكم، حزب حسني مبارك وابنه، وقُتلَ خالد سعيد، عذبه القتلة حتى أسلم الروح، ثم مثلوا بجثته. أصبح خالد أيقونة ثورة 25 يناير 2011، المستمرة بمشيئة الشعب، وخذل شيخ الأزهر الإرادة الشعبية الثورية. موقف يتماهى مع مواقف السلفيين، ويدنو من موقف الإخوان الذين انضموا إلى الثورة، وتبعهم السلفيون، وظل موقف الشيخ بعيدا عن هذه الروح.

خُلع حسني مبارك، وقال الناس إن الثورات تذهب السيئات. وقف الشيخ مع الشعب في مواجهة انتهازية الإخوان، وقد اصطف وراءهم السلفيون بأطياف مختلفة، وبدرجات متفاوتة. ولقي الرجل من الهجوم ما لا يليق بمقام شيخ الأزهر، وأهانه محمد مرسي حين رفض مصافحته، في حفل التخرج للدفعة 49 للكلية الفنية العسكرية، يوم 9 يوليو 2012، حين نزل «الرئيس» من السيارة، واستقبله الحاضرون ومنهم شيخ الأزهر الذي مد يده، فقبض مرسي ذراعه إلى جواره، كاد يضع يده في جيب الجاكيت، هي نفسها اليد التي بسطها مرسي لمصافحة ممثل الجيش بجوار شيخ الأزهر. حركة كيد صبيانية، لا تليق برجل يشغل منصب رئيس الجمهورية، ولا برجل. لم يصدر بيان اعتذار عن الانضمام لحزب فاسد، يرأسه رئيس “دستوري” فاسد، ويديره رئيس “فعلي” فاسد هو جمال ابن الرئيس الرسمي، ولا إدانة لسجن أبرياء وقفوا في صمت على سلم المحكمة يوم إعادة محاكمة قتلة خالد سعيد.

قلنا إنه حكم قضائي، ولو استند إلى قانون حظر التظاهر، وهو قانون غير دستوري، وإن الأزهر سوف يتذكر إحدى روايات حديث حرمة النفس البشرية، حين قتل 38 إخوانيا، في أغسطس 2013، داخل سيارة غير آدمية للترحيلات. خبرتُ هذه السيارة ذات مرة، وهي قبر متحرك، المحشور فيه مفقود، وقد حُشر في السيارة المصفحة هؤلاء المساكين، في قيظ أغسطس، وربما مروا بمنطقة فيها غاز مسيل للدموع، فاختنقوا. بعد أشهر سيحكم على ضابط بالسجن 10 سنوات، وعلى ثلاثة ضباط آخرين بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ، في جريمة تقترب من القتل غير العمد، أو السير في مكان غير آمن، بسيارة غير آدمية، بطريقة تفضي إلى الموت. ربما ينالون براءة، ولكن التجربة أثبتت أن الدم عند المؤسسة الدينية الرسمية ليست له حرمة، هناك دم ودم. لو كان هؤلاء الضحايا أسرى صهاينة، فإن الحفاظ على حياتهم، وعدم المساس بهم واحترام آدميتهم، واجب ديني والتزام إنساني. ولكنْ.. هناك دم ودم.

الأزهر الغائب عن ثورة 25 يناير، الذي لا يغار على حرمة الدم في هذه الواقعة، ثار في قيظ أغسطس، ليس من أجل الدم، فهناك دائما دم ودم، وإنما من أجل كائن خرافي، اسمه الشجاع الأقرع، يقول البعض إن الله ادخره ليعذب به العصاة. لم يعد هناك أحد يؤكد أو ينفي ما لم يرد به نص ثبوتي صريح في القرآن. لا يضير أحدا إيمان المسلمين بعذاب القبر، أو إنكاره أو تجاهله. يعلم المسلم أن أركان الإسلام خمسة، هي أركان الإسلام، لا أركان المسلم الذي قد لا تمكنه صحته وماله من أداء الحج، ويصح إسلامه بأربعة أركان، ليس بينها بالضرورة الإيمان بعذاب القبر والثعبان الأقرع أو غير الأقرع.

في يوليو 1925 نشر الشيخ مصطفى عبدالرازق (1885- 1947) جانبا من ذكرى رحلته إلى فرنسا عام 1909، وفيه ما يبشر بسماحة رجل أصبح شيخا للأزهر، في رؤيته لفقه الاختلاف، اختلاف الثقافات والعادات: “ولسنا نعرف قوما من البشر لا يرقصون، أهل البداوة لهم رقصهم يبدو ساذجا غير متوزان، وأهل الحضارة لهم رقصهم أكثر نظاما وأحسن انسجاما، لا تخلو الأمم من الرقص إلا فترات في عهود الانقلابات الأخيرة، أو الفتن العاصفة”. وفي أكتوبر 1925 كتب عن غيرته على الإسلام في لندن، حين رأى للأديان دعاة في هايد بارك ما عدا “دين محمد”. همّ الشيخ بالدعوة إلى الإسلام، فنبهه “ناصح شفيق إلى أنه ليس من اللائق أن تكون هيئة كبار العلماء منصرفة إلى تكفير المسلمين في مصر، فيخرج لها في لندرة (لندن) من يدعو الكفار إلى الإسلام”.

لو جاءت الاتهامات لمنكر عذاب القبر من شيخ صغير، لأمكن ردها إلى غيرة، نتفق معها ونختلف، ولكن الصحف نشرت أن الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر سيقوم شخصيا بالرد على الشبهات، ودعا عددا من الأساتذة وعمداء جامعة الأزهر إلى “إعداد الردود العلمية على كل تلك المغالطات، ونشرها… للرد على المشككين في ثوابت الدين… التي تتعلق ببعض مسائل العقيدة وبصحيح البخاري”.

لا أتصور الثعبان الأقرع والإمام البخاري من ثوابت الدين. البخاري يُؤخذ من كتابه ويردّ، وقد أفاض علماء في هذا الأمر عبر أكثر من خمسين عاما، منذ أصدر الشيخ محمود أبو رية كتابيه “أضواء على السنة المحمدية” و”شيخ المضيرة.. أبو هريرة”. وأتوقع إثارة الدور الخطير لأبي هريرة، بشكل علمي، في ضوء الظرف السياسي والاجتماعي، والبعد النفسي للرجل، بعيدا عن القداسة المفتعلة.

فصل الخطاب: في عام 1929 نشر د. هـ. لورانس روايته “الرجل الذي مات”، ولم يرتدّ مسيحي بسبب تصوير السيد المسيح على غير ما ورد في الكتاب المقدس. وفي يوليو 1997 أصدرت مؤسسة شبه حكومية مصرية ترجمة للرواية، ولم يحتجّ مسيحي مصري على رواية تتناول قيامة المسيح بعد الصلب، أبعد كثيرا بما لا يقاس بجملة في رواية “وليمة لأعشاب البحر” التي قاد بسببها رئيس جامعة الأزهر، عام 2000، مظاهرة وقودها طلاب لم يقرأوا الرواية، ولا يعرفون عن حيدر إلا أنه أحد أسماء الأسد.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر