الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الخيمة والطبال وقارئ البخت تحت قبة البرلمان

من الظواهر اللافتة مسألة التخلي عن القيم المشتركة بين أبناء الوطن بشكل سريع، واقتصار تلك القيم على المصالح المرتبطة بالجماعة والتيار.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/08/29، العدد: 9663، ص(9)]

تنشغل الأمة بخيالات شتى، ومن حقها أن تحلم بذلك الفردوس المفقود الممثل في حاكمية رشيدة ونظام عصري بروح صلبة وعقيدة واعية وقيم حضارية متفتحة، وهو طموح يرتقي بالمجتمعات والأفراد، لتتصل بالنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المجاورة بعد سقوط الحواجز وتبلور علاقات المصالح وتسيد أنظمة الشركات الكبرى العابرة للقارات.

كل هذه السلة من المعطيات والقوى الفاعلة في المجتمعات تستظل بظل “الديمقراطية” كنظام وشكل من أشكال الحكم القائم على تداول السلطة وعلى امتلاك الشعب لها عبر التقاليد الديمقراطية. كل هذا الكلام المخملي لشكل الحكم المعاصر، يبدو جاذبا ويستحق أن يُجرب النظام العربي حظه فيه، وأن يدخل هذا المنتَج حيز التداول والتجربة والاستهلاك.

لكن تفحص ذلك المنتَج مرة أخرى يعود بنا إلى الآباء المؤسسين للديمقراطية، فهي ليست بضاعة دون أب، ولا دون بيئة منتجة، ولهذا ستجدها مرفقة بالثنائية الإغريقية الخالدة قبل آلاف السنين (ديموس- كراتوس)، فالأولى دالة على الشعب، والثانية دالة على السلطة. الديموس- الشعب هو هنا مصدر التشريع والسلطات، والنخب ستجدها قد نثرت المن والسلوى على بيوت الفقراء، وأقامت الأحلام الوردية برسم الطبقات الشعبية الأكثر حاجة للحياة الكريمة، وهي المصطلحات الأكثر تداولا في خطابات الساسة.

وما إن ننتقل إلى مقاربة السلطة، بعد أن أصبحت الممارسة الديمقراطية سلّما للوصول إليها، حتى تباغتنا سرديات الديمقراطية مما تراكم على مر أجيال وعقود وأنظمة سبقتنا، وهي تؤكد حقيقة خلاصتها “أهمية الإحساس بالقيم المشتركة” لأولئك الواصلين إلى السلطة، وأهم تلك القيم قيمة الوطن وحق المواطنة والمساواة والعدالة.

هذه أركان أساسية، ليست نظرية وإنما هي مكونات تلك البضاعة الديمقراطية التي استوردناها من الآخر المتقدم، والذي سبقنا إلى إنباتها في أرضه. أترى بيئاتنا صالحة لإنبات هذه الشجرة الديمقراطية؟ أتراها ستورق ثم ستُثْمِرُ ثم ستُكَاثِرُ أشجارا أخرى؟

لا توجد إجابة جاهزة على هذه الفرضيات، لأنها موضع جدل خلاصته رأيان؛ رافض للأمر برمته، ومتقبل له، وبينهما من يسعى إلى استنبات نظام ديمقراطي هجين.

في المقابل سنراجع الصور التي نراها عن أولئك القادمين إلى قبة البرلمان من مرابع شتى، إذ من الظواهر اللافتة مسألة التخلي عن القيم المشتركة بين أبناء الوطن بشكل سريع، واقتصار تلك القيم على المصالح المرتبطة بالجماعة والفئة والتيار، وصولا إلى العرق والقومية والمذهب.

وهنا لن تستطيع شريحة من تلك الشرائح التخلي عن خيمة القبيلة والجماعة، إذ ستنصبها تحت قبة البرلمان الديمقراطي وسرعان ما ستسترجع طقوسها السالفة تحت تلك الخيمة، والتي جاءت أنظمة الحكم المدنية الرشيدة للتخلص منها ومن الدائرة الضيقة للجماعة أو الفئة، إلى الدائرة الأكبر للوطن والمواطنة، وسيتبع بناء أكثر من خيمة للجماعات والأعراق والتكتلات والتيارات، حتى تكتظ قبة البرلمان بالخيام والقبائل، وسيلي ذلك مباشرة ظهور فئة الطبالين والعازفين والمروجين لهذه (الديمقراطية) الفئوية، ولن تخلو جماعة من أولئك الطبالين بأن ما تقوله وتفعله هو الحق، وما دونه هو الباطل لاسيما إذا صبغت ذلك بصبغة لاهوتية وكهنوتية، أو أدمجته بطروحات الإسلام السياسي بأن هذا هو المنهج الحق وما دونه ضلال.

وهنا سوف تنتج الجماعة، فئة قارئي البخت الذين مهمتهم التنبؤ بالقادم من الأيام، حيث ستقام المدينة الفاضلة وهو ما يتطلب التخلص من أعدائها، والتنبؤ ينسحب حتى على أبسط الطقوس البرلمانية.

وهنا سنكون إزاء شكل “ديمقراطي” إشكالي هجيني، بل وسريالي تتراجع فيه أثينا ودساتيرها ويلتهي الشعب بضاربي الطبل والعرافين وتُتّبع تصريحاتهم، فيما ينشغل عشاق السلطة، بالغنائم.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر