الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

فتنة داعش النائمة في مصر

المعيار هو الردة التي لم يرد فيها نص قرآني بالقتل. أما حقوق المواطنة وقتل المسلمين وتخيير غير المسلمين بين الإسلام والجزية ومغادرة الوطن، فهذا لا يهم الشيخ الضال.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/09/02، العدد: 9667، ص(9)]

قبل سنوات، كنا نرى في ندوات ذات صلة بالقضايا التراثية شابا يحمل حقيبة جلدية مهترئة، ويتكلم إذا تكلم، متصنّعا الحياء، بصوت هامس فيه نعومة غير مستحبة في الرجال. كانت عملية إطلاق عمرو خالد قد جُرّبت ونجحت، واطمأن لصوص عصر حسني مبارك إلى أن المسلم، بجهد قليل لا يستغرق سوى أيام في عمرة رمضان أو حضور درس ديني للممثل الداعية، يمكنه أن يرضي الله والشيطان في آن. اتسعت دائرة الفساد، ومعها الرغبة في إبراء الذمة أمام النفس، واحتاج المسلسل إلى من يقومون بأدوار «الدعاة»، فكان مصطفى حسني.

في صفحته على فيسبوك يكتب هذا الشاب مصطفى كلاما ساذجا، يخطئ في النحو والأسلوب، وهذا أمر لا يعنيه ولا يعيه، فللبضاعة سوق رائجة، ومستهلكوها لا يؤذيهم خطأ في حق اللغة، لانشغالهم بالخروج من دوائر الإحباط. إحباط غير المتحققين في العمل والحب والعدالة. كتب هذا الشاب مصطفى: «قريبا سيفرج الله كربك، وسيزيل همك، وسيبدل ألمك سعادة ليس بعدها شقاء.. ثق به»، فحظي بإعجاب أكثر من 163 ألف محبط، وأجرى 23600 محبط مشاركة، ناقلين هذه البشرى إلى صفحاتهم، لكي ينالوا ثواب مشاركة آلاف المحبطين الباحثين عن يقين.

هذا الشاب مصطفى، ومتابعوه على صفحته الفيسبوكية التي لم يسهم في إنشائها مسلمون، ومشاهدوه في أكثر من برنامج بأكثر من قناة تلفزيونية، والمتفاعلون مع تفاهاته، كلهم بحاجة إلى دراسة نفسية. هذه الظاهرة تؤكد أن ثورة 25 يناير، التي كان يفترض أن تعالج هؤلاء، قد أسهمت في ترسيخ المرض، وتركت المرضى في الضلالة، لا يجدون عزاء إلا في ما يقدمه لهم أمثال هذا الشاب مصطفى من «أفيون الشعوب». لن تنجح الثورة ما لم تفتح لهؤلاء بابا على الخيال، على الاختلاف والعقلانية.

أغمض عينيك وتخيـل الخيـط إذا امتد إلى آخره، فلن تجـد إلا نسخة أخرى من رمـوز «السلفية الدعوية». وهذا المصطلح وحده يكفي لإغلاق باب الخيال، لأنك ستكون أمام مساكين مكانهم مستشفيات الطب النفسي، لا المنابر حيث يدعون المسلمين إلى الإسلام، ويبكون ويتباكـون ليثبتـوا للمصلـين في خطبة الجمعة أن الله موجود، وأن محمـدا رسوله حقـا وصدقـا.

بمد الخيط إلى آخره، سيحتل أمثال هذا الشاب مصطفى موقع طبيب كان يوما شابا، وصار «إسلامجيّا» مخضرما، يدعو المسلمين إلى كراهية المسيحيين، ويشارك في كتابة دستور طائفي كان سببا في قتل بعض الشيعة والتمثيل بجثثهم. هذا الطبيب الذي كان شابا، وأصبح نموذجا لثقافة الكراهية اسمه ياسر برهامي.

لا يزعم السلفيون غير المسلحين أن لهم علاقة بالسياسة، لا يدّعون أنهم ثوار، بل يرفعون شعار السمع والطاعة لمن غلب، بالانتخابات أو بالسيف لا يهم. ولكنهم الآن، بعد ثورة ضحّى فيها حالمون بالحرية بأرواحهم، يتصدرون المشهد، ويصبحون أكثر خطورة على مستقبل “الدولة” من فاسد تقليدي مثل مبارك.

فمن يكون ياسر برهامي الذي حصل مع إخوانه على تصريح بالخطابة، بدعوى التصدي لأفكار داعش؟

هو نائب رئيس شيء اسمه “الدعوة السلفية”، مهنته طبيب، ويقال إن له أكثر من 25 كتابا، رقم كبير يزيد بالطبع على عدد مؤلفات رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده، فما أسهل أن ينشر «إسلامجي»، في ورق مصقول وغلاف قشيب، كتبا تعيد مضغ أفكار شبعت هضما.

من مكاسب الثورة أنها أخرجت إلى النور هؤلاء الذين استمرؤوا العيش في غبار الكتب الصفراء، هؤلاء الذين يريدون أن يحكموا الشعب المصري من دون أن يعرفوا سيكولوجيته. كان أول ظهورهم لنور الثورة، نهاية2011، حين أصدر شيء اسمه «الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح» فتوى بعدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية. هذا الشيء يضم أعضاء لهم ميول تكفيرية، منهم محمد عبدالمقصود وخيرت الشاطر وصفوت حجازي وحازم أبو إسماعيل ومحمد حسين يعقوب ومحمد حسان وبرهامي. وجاء في الفتوى منزوعة الفطنة: “المسلمون الذين لا يعتقدون في صلب السيد المسيح عليه السلام لا يحل لهم بحال التهنئة بقيامته المدعاة”. فتوى غليظة وخالية من الكياسة الوطنية، وتهين عقيدة شريك الوطن المختلف في الدين.

برهامي، في مرحلة الاستقواء، شارك في عضوية لجنة كتابة الدستور الإخواني الطائفي (2012). في ما بعد سيفخرُ في حديث مسجل بأنه خدع أعضاء اللجنة، حين مرر في الدستور المادة الطائفية رقم 219: «مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة». وقال إنه تمكن من الخداع، لأن «العلمانيين مش فاهمين قوي، ولا النصارى فاهمين المسألة دي كويس. هم فهموها مؤخرا».

برهامي من موقعه كداعية لدين يؤمن به مريدوه، استطاع أن يجد حلا لأزمة زواج المسلم من الكتابية، بأن يظل على كراهيته لها، فالمسلم «مأمور بأن يبغضها على دينها مع بقائه في معاشرتها، هذا أمر معتاد جدا. (هل) كل من يغتصب امرأة يحبها؟ أم يعاشرها فقط؟ يعاشرها من أجل جسدها فقط ولا يحبها في الحقيقة… (المسلم) مأمور هو كما ذكرنا بأن يبغضها… يقول لها إنه يبغض دينها بلاشك… يبغضها من أجل أنها كافرة… لو دخل البيت لا يبدأها بالسلام، لو له أولاد مسلمون يقول: السلام عليكم، وهو يقصد المسلمين. لا يبدأها بالسلام».

بزوال حكم الإخوان، عادت إلى مصر بعض العقلانية، بإقرار دستور مدني ينص على أن تكون الحكومة مدنية. في مرحلة لاحقة منع غير الأزهريّين من الخطابة، بعد تحول الزوايا المنتشرة في الشوارع والأزقة إلى منصات لتصدير الكراهية، وظل الإسلامجية مرضى بالحنين للفتوى، ففي الشهر الماضي وُجّه إلى برهامي سؤال عن حكم الشرع في الفرح بضرب أميركا لداعش؟ «هل يجوز ذلك حتى وإن كانوا خوارج وأهل ضلال؟»، فأفتى بأنه لا يجوز للمسلمين أن يفرحوا بضرب أميركا لداعش، طالما لم تثبت عليهم «ردة».

المعيار هو الردة التي لم يرد فيها نص قرآني بالقتل، ولن يضير الدين ارتداد مليون مسلم. أما حقوق المواطنة وقتل المسلمين وتخيير غير المسلمين بين الإسلام والجزية ومغادرة الوطن بشكل مهين، وبيع النساء سبايا، فهذا لا يهم الشيخ الضال، ما دام المجرمون غير مرتدين.

وحمل يوم الجمعة الماضي مفاجأة كارثية. أعلن الشيء المسمى «الدعوة السلفيـة» انتهاء أزمة منع أعضائه أن يخطبوا بالمساجد، «وعلى رأسهم الدكتور ياسر برهامي»، للتصدي لخطر الأفكار التكفيرية ومنهج «داعش». وتلك مزحة سخيفة، فبرهامي وإخوانه ينافسون داعش على مهنة التكفير.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر