الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الإعلام يرشق المواطن الصالح بالورود الاصطناعية

هذا التكاثر الهائل للبث الفضائي العربي على مدار الساعة خلق في غالب الأحيان إنسانا محبطا وعاجزا، يشهد الخراب في حياته زاحفا على شعوب وبلدان ومدن وحواضر مثل تسونامي مخيف.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/09/08، العدد: 9673، ص(18)]

يوصف الزمن الذي يمضيه المشاهد أو القارئ للإعلان التجاري أنه أشبه بزمن يشهد عملية احتجاز للمشاهد لبضعة ثوان ريثما يقرر إخراج ما في جيبه ثم يطلق سراحه !!!

ربما هي صورة كاريكاتورية لكن فيها بعض الحقيقة لجهة العلاقة السجالية بين المشاهد والميديا التي تجاوزت جميع الحدود والمسافات والحواجز واختلط فيها المسموح والمحظور على نحو غير مسبوق، فضلا عن سهولة الوصول إلى المعلومات بعدما كان ذلك مطلبا من طرف المدافعين عن حقوق الإنسان، ومنها حق الإنسان في الوصول إلى المعلومات. لكن المؤكد هو أن المعلومات في يومنا هذا متضاربة ومشوشة وينطبق عليها ما درجنا على تداوله في موروثنا “وفي رواية أخرى” وهذه علامة فارقة للإعلام في هذا العصر، فلكل روايته ومنظوره مستخدما هذا التطور المذهل في التكنولوجيا الرقمية التي غيرت الكثير من المفاهيم والحقائق.

ورغم أن مساحة المناورة الإعلامية محدودة بسبب سرعة وسهولة الوصول إلى المعلومة ونقيضها أو المخالف لها في وقت قصير إلا أن مسألة المنافسة والصراع في الميديا صارت علامة فارقة أخرى، ومن ذلك السبق الصحفي وسرعة الوصول إلى موقع الحدث وشراء حقوق التغطيات والتغطيات الحصرية وكلها مرتبطة بحقوق الملكية التي هي نظام قانوني واعتباري شديد التماسك من طرف المؤسسات الإعلامية الكبرى العابرة للقارات التي تحول فيها الإعلام إلى استثمار هائل وصرنا إزاء حالة انتقال من الإعلام إلى صناعة الإعلام.

كان ذلك في العام 1945 عندما أطلق البريطاني آرثر كلارك إلى عالم أثيري wirless world ، وهي دعوة حلمية وخيالية في مقاييس وواقع ذلك الزمن أن يترابط العالم كله من خلال وسيلة ورسالة إعلامية تصل إلى الجميع في آن واحد ومن دون عناء ولا وسائط معقدة، وهو ما ترتب عليه حصوله في ما بعد على جائزة معهد فرانكلين عام 1963 لأن كثيرا من ملامح نبوءته بدأت تظهر ملامحها بعد استلام أول إشارة بث فضائي بين أوروبا وأميركا في العام 1962 وكانت تلك هي البداية الحقيقة للبث الفضائي العالمي، ومنذ ذلك الحين توالت الاكتشافات والاختراعات والتجارب والإنجازات في خدمة الإعلام حتى وصلنا إلى ماوصلنا إليه اليوم.

إذا، فالعالم العربي تلقف هذه الإنجازات العظيمة مكتفيا بشرائها من الحوانيت والدكاكين المنتشرة في أرجاء العالم، ولأن العالم العربي غارق في الأمية والفقر وتراجع مستوى التعليم والقراءة ونشر الكتاب وشبه انعدام الاستثمار في الثقافة فماذا فعل الإعلام العربي ساعة قام (باحتجاز) المشاهد العربي لبضع ثوان لأفراغ ما في جيبه ؟

إننا نشهد واقعيا احتجازا يوميا للمواطن العربي لإفراغ ما في عقله، على ما درج عليه أو ماهو تواق إليه، هذا التكاثر الهائل للبث الفضائي العربي على مدار الساعة خلق في غالب الأحيان إنسانا محبطا وعاجزا، يشهد الخراب في حياته زاحفا على شعوب وبلدان ومدن وحواضر مثل تسونامي مخيف، ولهذا صار الحق في الحصول على المعلومة يرافقه حق في المقابل وهو حق الأداة الإعلامية في الوصول إلى ( مواطن صالح ) مذعن لما تأتي به تلك الوسيلة التي أدمن على مشاهدتها ووضع في اعتباره أنها الأجرأ والأكثر انتشارا وأيضا الأكثر أعداءا بدعوى أنها تقول الحقيقة ولهذا تجري معاداتها.

هكذا تم استيلاد منطق جديد يكمن في أن نجاح الأداة الإعلامية هو بكثرة أعدائها، ومتى كان نقل الصور والأخبار صورة من صور استنهاض العداء والكراهية ما لم تكن غاية الوسيلة الإعلامية الأساسية هي صنع الأعداء بنفس عدد الأصدقاء لكي يتبارى الطرفان في ما بينهما ولا نكتفي عربيا بانقساماتنا الشتى إلى نوع جديد من الانقسام وهو الانقسام الإعلامي أو سمه ماشئت حسب هذا الضرب الجديد من الإعلام العربي.

“المواطن الصالح” الذي يتوق إلى مروج بلاده وعنادلها الصادحة وفراشاتها وأنهارها وزرعها ونمائها ورخائها وتسامحها ونهضتها وطموحها وسعادة أبنائها تدعوه هذه الوسيلة الإعلامية في كل يوم، فتقدم له طبقا هجينيا من ثنائية (أنت معي أم ضدي) وتقذفه بباقة من ورود البلاستيك الاصطناعية عله يرضى، ولم لا؟، فالقمر اصطناعي، والطاقم اصطناعي والخبر اصطناعي، فلا بأس بإلهاء المواطن الصالح بباقات من الورود الاصطناعية ميتة الروح بدعوى : أيها المواطن الصالح قناتنا الفضائية في خدمتك ولن تجد الحقيقة إلا معنا.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر