الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

تزوير التاريخ فريضة إخوانية

كثيرا ما كتبت أن الإخوان تعوزهم فضيلة الصدق. لو صدقوا ما أصبحوا إخوانا، سيكونون مسلمين. الكذب حرفة كثير من رموز السلفية «الدعوية»، يدعون إلى الكذب ويفخرون به.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/09/10، العدد: 9675، ص(8)]

كثيرا ما ردد الدكتور عبدالوهاب المسيري أنه ظل يعمل في موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية” 25 عاما، غير مبال بوقائع سياسية منها اتفاقية السادات مع إسرائيل، وأن يكون التطبيع مع العدو الصهيوني أمرا واقعا، وأن تكون الخيانة، أحيانا، وجهة نظر. لم يذكر الرجل مصطلحات كبيرة مثل الخيانة، ولكنه أصر على استكمال عمله في تفسير الصهيونية، كظاهرة استعمارية احتلالية، قابلة للتكرار في مكان آخر، وفي زمن قادم.

أخلصَ المسيري لشرف البحث وأمانة الباحث، متجاهلا سقط السياسة وتقلباتها. كان المسيري مسؤولا عن وحدة الفكر الصهيوني في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام، وسافر إلى الولايات المتحدة، ثم عاد عام 1979 في ظل سيادة أجواء التطبيع، وقال له السيد يسين مدير المركز آنذاك إن عودته تعني الانتحار، “فكان ردي عليه أن الحياة حسب الشروط المهينة التي قد يضعها الآخرون ليست أمرا عظيما.. وقد يكون الانتحار هو أحسن اختيار. والانتحار في هذه الحالة ليس انتحارا وإنما استشهاد في سبيل رسالة… كنت أجد صعوبة شديدة في دخول مبنى الأهرام”. (عبدالوهاب المسيري: رحلتي الفكرية.. في البذور والجذور والثمار).

طالت مقدمة هذا المقال، وأصابتْ السيد يسين دون قصد، وكنت أهدف إلى إيضاح أنني من كثرة ما أكتب عن الإخوان المسلمين، لا أتعرض لسجين قليل الحيلة عاجز عن الدفاع عن نفسه، وإنما أناقش الأفكار، التربة الأيديولوجية الجاهزة لاستنبات أجيال جديدة من القتلة، بعد تنشئتهم على أنهم شعب الله المختار، في مواجهة مسلمين ينقصهم الكثير من الإيمان ليكتمل إسلامهم، ينقصهم أن يكونوا أعضاء في تنظيم الإخوان ليصبحوا مسلمين، أو “المسلمين”.

كثيرا ما كتبت أن الإخوان تعوزهم فضيلة الصدق. لو صدقوا ما أصبحوا إخوانا، سيكونون مسلمين. الكذب حرفة كثير من رموز السلفية “الدعوية”، يدعون إلى الكذب ويفخرون به، سمعت الشيخ محمد حسان والشيخ أبا إسحق الحويني يتحدثان عن “التعريض”، (بالضاد من فضلك حتى لا يختلط عليك الأمر)، كأن تردّ على من يسألك عن مبلغ يريد اقتراضه، بأنك لا تملك في جيبك جنيها واحدا، في حين يوجد في جيبك مئات الجنيهات ليس فيها “جنيه فكة”.

كتبت من قبل عن كذب سيد قطب على تلميذه في التنظيم السري علي عشماوي، الذي سجّل في سيرته جوانب من علاقته بسيد قطب، واسمه دائما مسبوق بلقب “الأستاذ”. ولكنه لا ينسى أن قطب أصابه “بإحباط شديد وخيبة أمل كبيرة… سقط في نظري”، بسبب كذبة، إذ كلفه سيد قطب بتسلم شحنة سلاح ونقلها وتخزينها، ثم نفى أنه كلفه. ويقول: “وجاء وقت صلاة الجمعة، فقلت له: دعنا نقم ونصلي. وكانت المفاجأة أن علمت- ولأول مرة- أنه لا يصلي الجمعة، وقال إنه يرى- فقهيا- أن صلاة الجمعة تسقط إذا سقطت الخلافة، وأنه لا جمعة إلا بخلافة. وكان هذا الرأي غريبا علي، ولكني قبلته لأنه- فيما أحسب- أعلمُ مني. في هذا اليوم صمّمتُ على أن أنسحب من الأمر كله”.

الكذب لدى الإخوان وبعض السلفيين مباح، حلال عليهم، حرام على غيرهم. يروي محمد السعيد إدريس أن أبو العلا ماضي أخبره بكذبة أخرى، إذ زاره في مكتبه يوسف ندا- مفوض العلاقات الدولية في التنظيم والمتهم في قضية محاولة اغتيال عبدالناصر عام 1954 - وعاتبه لدفاعه عن عبدالناصر، بحجة أن جنازته شهدت له. “جنازة الرجل كانت أعظم جنازة في التاريخ”، وهذه الجنازة وفقا لمعيار الإمام أحمد بن حنبل خير شاهد للرجل عند الله سبحانه وتعالى.

غضب يوسف ندا من قوة حجة أبو العلا، لكنه عاب على أبو العلا دفاعه عن عبد الناصر الذي يراه مسؤولا عن تعذيب الإسلاميين في سجونه، لكن أبو العلا فاجأه بالسؤال: “بالنسبة إلى روايات تعذيب الإخوان تستطيع أن تقول أنها كانت صادقة وبأي نسبة؟ ويا ريت تخصص الحديث عن روايات التعذيب الواردة في كتاب “أيام من حياتي” الصادر باسم السيدة زينب الغزالي..” هنا بالتحديد كانت القنبلة، إذ انفجر يوسف ندا ضاحكا وقال: “أنا مؤلف هذا الكتاب”.

يقول أبو العلا ماضي إن صدمته كانت أشدّ حين سأل يوسف ندا: كيف له، وهو مقيم في سويسرا ولم يكن شاهدا على أحداث عام 1965، أن يؤلّف كتابا يحتوي على تلفيق وكذب واتهامات لعبدالناصر منسوبة إلى زينب الغزالي؟ أليس هذا محرما دينيا؟ رد يوسف ندا: “اللي تغلب به إلعب به”. (محمد السعيد إدريس، الأهرام 1 أبريل 2014).

طالت مقدمة المقال مرة ثانية، وأخطأتْ السيد يسين لحسن حظه، وأصابتْ، من دون قصد، يوسف ندا والحاجة زينب الغزالي معا، وكنت أريد التوقف أمام شيء اسمه “تحالف دعم الشرعية”، ولست مشغولا بهذا الشيء الذي اسمه التحالف… إلخ، لأنه غير موجود إلا في خيال أصحابه، وهم مبتلون- من دون أن يدروا- بفقر الخيال، ولكنهم أثاروا تعاطفي حين دعوا في بيان الأحد الماضي (7 سبتمبر 2014) إلى الاحتفال بإحياء “ذكرى مريرة، وهي إعدام النظام العسكري في خمسينات القرن الماضي الشهيدين مصطفى خميس ومحمد البقري”.

خميس والبقري ذكرهما نجيب سرور في “الأميّات”، ضمن ضحايا النظام الناصري، ويذكرهما مناضلون صادقون ممن يعتبرهم الإخوان كفارا، في حين كان سيد قطب عرّابا وحاديا للأرواح إلى المشنقة، وفاتحا طريقا إلى الدم، أيام ربيعه الخاص مع الضباط الأحرار، فلم ينتظر كثيرا ليتأمل المشهد بعد 23 يوليو 1952، وكتب في 15 أغسطس 1952 تحت عنوان “حركات لا تخيفنا” معلقا على أحداث عنف في شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة كفر الدور يومي 12 و13 أغسطس، ورآها حوادث مصطنعة، “لقد كسبنا المعركة من غير شك وكان أمر الله مفعولا… لقد أطْلعَ الشيطان قرنيه. فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب”. وقضت محكمة عسكرية بإعدام خميس والبقري.

لو أفاق الإخوان من الأوهام لانتحروا، سيتأكد لهم أن أعمارهم ذهبت سدى، هذا ما أدركه علي عشماوي بعد أن كذب عليه سيد قطب.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر