السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

حسن البنا لا سامحك الله

البنا أكثر تأثيرا وخطورة من سيد قطب. البنا رفيق البراءة ورغبات الصبا في إصلاح العالم، بخطابه النقلي البسيط إلى بسطاء لا يحبون التفكير.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/09/16، العدد: 9681، ص(8)]

(إلى حمائم المصالحات وصقورها) قبل ربع قرن، كان مستحيلا أن أذكر اسم حسن البنا إلا مسبوقا بلقب “الإمام الشهيد”، ظل المصطلح المزدوج “الإمام الشهيد” صديقا لروحي، حتى وأنا بعيد عن كل ما -ومن- له علاقة بالإخوان، بحكم ما وقر في نفسي في الصبا، من قراءتي مجلة “الدعوة”، ورسائل البنا، وهي مواعظ حماسية وتعليمات لم ينافسه فيها سيد قطب الذي حظي بلقب “الشهيد”، ولم أكن أعرف سر الصداقة بين قطب وعبدالناصر الذي كرهته بحجّة أنه عدو للإسلام. كان التخلي عن شيء من دين الإخوان يوازيه، بالقدر نفسه، مساحة تتسلل منها محبة عبدالناصر.

البنا أكثر تأثيرا وخطورة من سيد قطب. البنا رفيق البراءة ورغبات الصبا في إصلاح العالم، بخطابه النقلي البسيط إلى بسطاء لا يحبون التفكير. سيد قطب صادم عاصف في مراحله كلها، لا يرضى بأقل من الزعامة، ولا أتخيله عضوا في هذا التنظيم السري لو طال العمر بحسن البنا، لا تتسع القمة السرية لغريمين.

كان قطب يسخر من البنا، ويراه طبعة جديدة منقحة قليلا، من “الحسن الصباح”، ولم يكن البنا أعزّ عليه من ابـن هند وشريكـه عمرو بن العاص، وقد انتقد خداعهما الإمام علي، في كتابه “كتب وشخصيات”: “وحين يركنُ معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم، لا يملك علي أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل. فلا عجب، ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح”. وفي الكتاب نفسه يتهم معاوية بالانتهازية: “فروح مكيافيلي التي سيطرت على معاوية قبل مكيافيلي بقرون، هي التي تسيطر على أهل هذ االجيل… روح النفعيـة التي تظلل الأفـراد والجماعات والأمم والحكـومات… لقد كان انتصار معاوية هو أكبر كارثـة دهمت روح الإسلام التي لم تتمكن بعد من النفوس”.

وقد أخذ بعض رموز السلفيين على سيد قطب هذا الكلام، ولاموه أيضا لأنه لم يعتذر عن انتقاده عثمان بن عفان في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام”.

سبق أن كتبتُ عن تحريض سيد قطب على قتل شابـين فـي احتجاج عمالي، بعد 20 يوما من ثـورة 23 يوليـو 1952، وطالب بالتعامل معهما ومع غيرهمـا بالقسوة، وهي الإعدام، داعيا الشعب إلى حفر القبور وإهالة التراب. ثم تفرقت به وبالثورة الطرق، وتآمر “الشهيد” على قتل عبدالناصر، باعتراف عضو بارز في التنظيـم السري للإخوان، هو علي عشماوي، الذي قال إن قطب سقط من نظره حين كذب عليه.

كان قطب يقف على الحدود القصوى للمواقف والاختيارات، فإذا لم يحمله التكفير الوطني، بعد ثورة 1952، إلى منصب مدير الإذاعة الذي يحلم به، فليكن التكفير الديني، وهو تكفير له رصيد بشري من أعضاء تنظيم يفتقر إلى “مُنظِّر” في وزن سيد قطب، لا قبله ولا بعده، ويكفي أن تسمع وتقرأ مقولته سارية المفعول عن وعورة الطريق، طريقه هو وجماعته: “إن الطريق ليست مفروشة بالزهور والورود، إن الطريق مفروشة بالأشلاء. لا، بل إنها مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”.

احذف اسم سيد قطب، وضع أبا بكر البغدادي أو غير البغدادي من القتلة الذين يستحلون أعراض الإيزيديين في العراق، ودماء المسلمين في الشام والعراق ومصر، ليتأكد لك أن “الشهيد”، قطب الإرهابيين، ما زال حيا يقتلنا تقربا إلى الله، بزعم ما يتوهم أنه جهاد في سبيله.

خطاب قطب يناسب طلبة الجامعة، وبساطة البنا الأخلاقية تصلح لغواية الفتيان، وتربيتهم على دين الإخوان، وعزلهم نفسيا عن المجتمع والأسرة، لتصبح الجماعة هي العالم، والإخوان عائلة بديلة. تسلَّمَني قطب في عامي الأول بالجامعة، ومن حسن حظي أنني قرأت “كفرياته” بعد أن عرفت وجهه المضيء.

أغراني بكتابة القصة القصيرة، بهذه العبارة: “وكلما ولد أديب عظيم ولد معه كون عظيم، لأنه سيترك للإنسانية في أدبه نموذجا من الكون لم يسبق أن رآه إنسان”. (سيد قطب: النقد الأدبي.. أصوله ومناهجه).

قطب قاتل واضح، لا يخفي غرضه، يتمسك بما يرى أنه “الدين”، وهو على حـافة الحياة، أما حسن البنا فلا سامحه الله. قاتل أقل جهامة، يمشي في الأسواق حاملا تجارة يدعي أنها “الدين”، لا يصدم أحدا برأي، يُعنى بتنشئة الصغار على دينـه، فينشأ جيل يكره غير الإخوان والمسيحيين. عانيت سنوات للخـروج بأقل خسائر، لأضمن سلامتي النفسية، بعد سنوات من إدمان قراءة مجلة “الدعوة” وكتيبات راجت في عصر السادات، نكاية في عبدالناصر.

في مجلة “الدعوة” الشهرية الناطقة باسم الإخوان، أبريل 1979 جمادى الأولى 1399، أقرأ للبنا عن أهل الكتاب: “ترخص الإسلام في أمرهم وأجاز الاكتفاء بأخذ الجزية منهم، فمتى تعهدوا بأدائها ورضوا بها فقد وجب أن يرفع عنهم السيف”. دين البنا سيكون دليلا إرشاديا للإخوان، وتظل الجزية عقدة الإخوان، ففي أبريل 1997، نشر في “الأهرام ويكلي” على لسان مصطفى مشهور: “لا يجوز دخول الأقباط إلى الجيش، لأنه سيكون مشكوكا في ولائهم وأنه بدلا من ذلك يجب أن نلزمهم بسداد الجزية!”.

من عناوين كتيبات اختارتها مجلة “الدعوة” لنا في تلك السن المبـكرة “إلى الطلاب: ألقيت في مؤتمر طلبـة الإخـوان المسلمين. للإمام الشهيد حسـن البنا”، المحـرم 1357 هجرية، مـارس 1938. رجـل لـديه يقين مطلق، يخطب في جمـوع لا تناقش، بحماسة تملك إجابات حاسـمة عن أي ســؤال، فـي العقـيدة والاقتصـاد والنظـام الحزبي: “الإسلام لا يقر الحزبية… لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه، ولا يوافق عليه”.

القتلة الحاليّون أحفاد قتلة كلّفهم البنا بتأسيس النظام الخاص. ميليشيا مهمتها قتل مصريين أبرياء، لا جنود الاحتلال البريطاني. سيد فايز، ابن النظام الخاص، قتل عام 1953 في خلاف إخواني- إخواني، بعلبة حلوى ملغومة بمناسبة المولد النبوي. قتله الحرس القديم بالديناميت هو وشقيقه (تسع سنوات) وطفلة كانت تسير تحت الشرفة التي انهارت نتيجة الانفجار.

تعليمات البنا العنصرية راسخة، لا يتبرأ منها إخوان متقاعدون لا يتقاعدون. أنصت إلى كمال الهلباوي واقرأ كتبه تجد مصطلح “الإمام البنا” أكثر تكرارا من النبي محمد، ويرى نكبة الإخوان في حيادهم عن طريق “الأستاذ الإمام”، لا سامحه الله.. الهلباوي وإمام الدم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر