الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

رسالة السكين

أن تستعمل رمزية الذبح مع الأطفال السوريين اللائذين بحمى قرى الجنوب اللبناني، لتكتب رسالة الحاضنة الشعبية لحزب الله إلى جميع السوريين، فهذه هاوية الانحطاط الاخلاقي.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2014/09/16، العدد: 9681، ص(8)]

أمامي الآن، مقطع فيديو يظهر فيه ثلاثة أطفال، إثنان بين الأربع والخمس سنوات، والثالث يكاد يبلغ السنتين، في غرفة أو فناء لا تريد الكاميرا أن تظهر هويته الكاملة، لكن أكداسا من أوراق التبغ المنشورة المتدلية فوق رؤوس الأطفال، ولهجة حامل السكين الذي أخذ يخاطب الأطفال من وراء الكاميرا، تشي بهوية المكان وانتماء صاحبه.

تظهر السكين متوعدة، وتظهر يد حاملها، ومن ثم نرى في عمق الصورة الأطفال الثلاثة. ثم تكلم الشخص بصوت آمر: “قوم وقاف هون ولا.. تعال”.

ينهض الأطفال الثلاثة ويقتربون من الكاميرا، ويسأل الرجل بلهجة صارمة: “مين بدّنا ندبح بالأول”؟ بكاء، ورجاءات طفولية، وأصوات حلوق جافة تغمغم: لا، لا، لا، يا ماما.. يا ماما. ولكن ما من أم هنا، فقط الرجل والسكين والعتمة التي يضيئها انعكاس الضوء على أوراق التبغ المنشورة في فضاء واطئ.

وعندما يكرر الشخص السؤال: “مين بدّنا ندبح أول شي؟” يتقهقر الطفلان الأكبر، ويبقى الصغير أقرب من الكاميرا، ويشير بيده إلى أخويه المتقهقرين.. مستبعدا نفسه من أن يكون الأول. ويتصاعد البكاء ويظهر الهلع على وجه الصبيين وأيديهما تصدر إشارات نافية. ولا تبدو فكرة الذبح للثالث الصغير واضحة أو كافية لتوليد ما هو أكثر من تلك الإشارة، لكأن مضمون السؤال بالنسبة إلى هذا الصغير هو: “مين بدنا نضرب أول شي؟” لكن الهلع هناك، على وجه الطفلين الآخرين.

ويكرر الشخص: “أول شي مين بدنا ندبح منكن؟” تتكرر الجملة وتظهر السكين في المقطع، وكأن لمعانها وهي تلوح لأعينهما ولنا نحن الذين نشاهد المقطع، هو الذي يتكلم. يتصاعد الهلع، ولا يفلحُ الطفلان بنطق كلمة أخرى سوى تلك الكلمة الوحيدة التي عثرا عليها في ليل هذا المكان: “لا، لا، لا.. ها قد بلغ الرعب منهما مبلغاً يكاد يوقف قلبيهما الصغيرين. أما الثالث الأصغر، فقد راحت عيناه الشاخصتان تتابعان ما يتفوه به الشخص، كما لو كانتا تلاحقان مشهدا مرعباً في فيلم كارتون.

بكاء جماعي، ويصل الأمر: “عدو بالأرض”. يجلس الثلاثة في أرضهم، هاهنا بساط أحمر، وعلبة حمراء ربما كان فيها بعض الألعاب أو الأغراض الخاصة بالأطفال الثلاثة. وفي عمق المكان في ظلال عتمته، شيء آخر أحمر اللون. كل شيء هنا أحمر، وها هو يعد بأن يكون أشد حمرة، سوى أوراق التبغ الصفراء. بكاء هلع، وتمتمات تستنجد بالأم، والطفل الصغير ينظر إلى أخويه الهلعين.

يشير الشخص إلى أحدهم، “قوم لهون يا وائل”. هاقد عرفنا الآن اسم أحد الأطفال. يكرر “قوم لهون، قوم لهون” وبحركة لا إرادية. ينهض وائل، لكنه وبحركة لا إرادية أخرى يعود ليجلس، ويمسك كتف أخيه، ويسأل الشخص والسكين: “لؤي”؟ يوافق الشخص، ويتسمر لؤي، راجيا أن لا يكون الأول، وبينما نسمع من وراء الكاميرا صوت ضربات متتالية من السكين على شيء صلب، يطلب الشخص من لؤي أن يتقدم: “مين بدنا ندبح أول شي؟ مين بدنا ندبح أول شي، من بدنا نقطع له راسو”، وتظهر السكين للكاميرا، ويبلغ الهلع في الطفلين ذروته، بينما نرى الطفل الصغير يشير إلى لؤي. هو، أي اذبحه هو، فهو الأكبر.

يتكرر مشهد الرعب والهلع، ويواصل الشخص أسئلته المروعة: من نذبح أولا؟ رأس من نقطع أولا؟ وتظهر السكين ملوحة، مرسلة الرسالة المطلوبة إلى جميع السوريين في لبنان. هذا هو مصيركم، ليس داعش، وحده، من في وسعه قطع الرؤوس. نحن أيضا نجيد قطع الرؤوس.

وسنبدأ برؤوس الأطفال. والواقع يقول إن السوريين خبروا هذه السكاكين في العامين الماضيين عندما لمعت لعيون أطفالهم ونسائهم في أيدي عصابات حزب الله في القصير، وأبو الفضل العباس في غوطة دمشق، وحزّت الرؤوس بنشوة سوداء ما بعدها نشوة، وتلك الذبائح التي عثر عليها في البيوت والحارات حيث دخلت تلك العصابات ما تزال مقاطع الفيديو والصور التي وثقتها موجودة على مواقع التواصل الاجتماعي، ورآها العالم كله.

إنما، أن تستعمل رمزية الذبح مع الأطفال السوريين الثلاثة اللائذين بحمى قرى الجنوب اللبناني، على هذا النحو من الترويع، لتكتب رسالة الحاضنة الشعبية لحزب الله إلى جميع السوريين، فهذه هاوية الانحطاط الاخلاقي والسقوط الذي ما بعده نهوض من درك العار.

لم يبلغ المقطع ذروته في الترويع بعد، فالرسالة الذبائحية لم تكتف ببلاغة جملة واحدة أو جملتين، إنها حفلة تعذيب نفسي وعصبي تضع أطفالا ثلاثة صغارا عند نصل السكين، وتؤكد لهم أن عقابهم المستحق هو الموت، فهم ذبائح لا محالة. ولكن ما السبب؟ ما هو الذنب؟ إنهم سوريون. وهم سوريون سنّة.. هذا ما ستقوله لنا السكين بعد قليل.

“تعاااااااااااال لهون، تعاااااااااال لهون”. ينهضون هذه المرة، في ضجيج بكائهم ورجاءاتهم، وقد بات الأمر أوضح الآن: “تعال لهون”. ها هو يجملهم جميعا بمخاطب واحد. فقد قرر أن الثلاثة هم شخص واحد. “الذبيحة” اللاجئ العدو، ابن العدو، الذي وصل بالخطأ إلى هذا الملاذ، أما وقد اكتشفت حاضنة حزب الله هويته المؤكدة كعدو فقد استحق الموت. “حط ايدك هون” اقترب “لؤي” من الكاميرا، وظهرت الآن الطاولة التي كان صاحب السكين يلوح ويضرب على سطحها المغطى بملاءة خضراء. “ضربت السكين على السطح الأخضر “حط ايدك هون. حطها هون”. نظر الطفل إلى السكين والطاولة، وتقهقر مذعورا إلى جوار أخيه وائل.

ناداه الشخص صاحب السكين، “تعا حط إيدك”..، اختفى لؤي وراء أخيه وائل وراح يقفز ملوعا من الرعب. وردد الشخص “أو راسك أو إيدك؟”.. انتقل إلى أخيه بالطلب: “جيبلي واحد منن لقص إيده”. ثم خاطب الصغير.. الذي لم يبدو أنه يفقه شيئا آخر سوى أن شخصا، هنا، يلوح بسكين. ها هي السكين تشير مرارا إلى الصغير: “تعال إنت.. تعال إنت.. إنت داعش؟”

هذا المقطع الصادم، هذا المقطع الوحشي، هذه الجريمة النكراء بحق الطفولة، وقعت في بلدة عبا الجنوبية. والذي قام بها هو، للأسف، شاب يدعى، للمفارقة، محمد فحص ورفيق له، ائتمنته أم الأطفال الثلاثة عليهم. فإذا به يعيّشهم في جحيم فكرة الموت ذبحا.

لم تنته القصة، فالتحقيق الذي قامت به قناة تلفزيونية لبنانية، أظهر تهاون الأم بحق أطفالها، بفعل خوفها الشديد من العواقب، فهي تخشى، على الأرجح، أن تغضب البيئة التي استقبلتها في البلدة، إن هي اعتبرت ما جرى لأطفالها الثلاثة ترهيبا وترويعا وجريمة تستحق العقاب، فهي لا تستطيع أن تحتج على ما وقع لهم، فآثرت أن تعتبر الأمر مجرد مزحة. يا لدلالة هذا الشيء المروع، أن تضطر لاجئة سورية إلى اعتبار جريمة موصوفة بحق أطفالها، مجرد مزحة.

شاعر سوري

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر