الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

كم تبعد مصر

صلاح عبدالصبور ونجيب محفوظ وأحمد فؤاد نجم ونجيب سرور وغيرهم انتقدوا جمال عبدالناصر ولم تذهب بهم كتاباتهم للسجون فمصر 'الدولة' أكبر من حاكمها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/09/30، العدد: 9695، ص(8)]

أستعير عنوان كتاب آن وولف “كم تبعد القاهرة؟” مع بعض التصرف، فالسياق يخص “الدولة” المصرية التي نبحث الآن عن معالمها وملامحها، ولكننا في أسوأ الأحوال، لا نتنازل عن مفهوم “الدولة”.

“الدولة” التي تأسست قبل أكثر من 5100 عام ولم تتغير حدودها صارت دينا، هي “الدين” بالألف واللام. عصمها “الدين” من خطر التفكك، فظلت متماسكة، تحتفظ بالحد الأدنى لمعنى “الدولة”، أيا كانت دموية الغازي.

مصر “الدولة” أكبر من حاكمها وأبقى، ولأنها كذلك فلا يصيبها صداع بسبب انتقاد الحاكم، ولا تسعى إلى الانتقام، لأنها كبيرة، والكبير يتقن اختيار أعدائه. هناك محميات ترتعب من قصيدة تنتقد شيخا في القصر، أو في القبر، ولا تتردد قوانينها في الذهاب بشعراء- يتبعهم الغاوون- للسجون، أو المنافي بعد سحب الجنسية. في حين يستقوي على مصر مستشرقون عرب، على طريقة الروسي، أيام نيكيتا خروتشوف، حين استعرض شجاعته برفع صوته أمام الكرملين، وشتم الرئيس الأميركي.

صلاح عبدالصبور ونجيب محفوظ وأحمد فؤاد نجم ونجيب سرور وغيرهم انتقدوا جمال عبدالناصر ولم تذهب بهم كتاباتهم للسجون؛ فمصر “الدولة” أكبر من حاكمها.

مصر كبيرة، “دولة العميقة”، وقد ابتذل المصطلح كأنه يخص دولة حسني مبارك. المعنى أكبر وأعمق، دولة لها قوانين بيروقراطية تزيد على 4700 عام، لوائح أكبر من الحاكم نفسه. طلب أنور السادات ملف مصطفى أمين، وكان ينفذ حكما بالسجن المؤبد، بعد اتهامه في قضية تجسس عام 1965، وجيء له بصورة الملف، فقال لرئيس جهاز المخابرات: “أريد الملف، لا نسخة منه”. رد: “في الجهاز يقولون إن هذا ممنوع”. انتهى الحوار، وانتصر القانون على الرئيس. في زيارة بيجين لمصر طلب زيارة قاعدة عسكرية بحرية، ولكن قائد القاعدة رفض، وقال للسادات: “ممنوع يا أفندم، هل سمحوا لسيادتك بزيارة قاعدة عسكرية بحرية إسرائيلية؟”، واحترم السادات لوائح “الدولة”.

ومن الطرائف أن السادات كان يحب الشيخ سيد النقشبندي، وهو صاحب الفضل في ابتهال “مولاي إني ببابك قد بسطت يدي” الذي لحنه بليغ حمدي، وأراد السادات اعتماد النقشبندي قارئا للقرآن، ولكن لجنة الاستماع في الإذاعة أخبرته أن الرجل مبتهل وليس قارئا، وأمام إلحاح السادات قالوا: “اعتمده يا أفندم بقرار جمهوري”!

مصر كبيرة، وفي أسوأ أحوالها تبسط يديها ويتسع حضنها لغير أبنائها، فيصيرون أكثر وفاء وانتماء. جرجي زيدان، مؤسس “الهلال”، استوعبت مصر موهبته في ظروف مشابهة لما تمر به الآن. عام 1883 كانت مصر جريحة، مضى أشهر على احتلالها، ورائحة البارود تذكّر بخيانات، وشهداء في مقدمتهم محمد عبيد، قضوا بعد أن صهرت جلودَهم سخونة المدافع. لا تنسى مصر أن لها دورا، وأنها كبيرة. كانت بلاد الشام، تحت الاحتلال العثماني، تضيق بأمثال جرجي زيدان طالب الطب في بيروت، فادخرت له الأقدار ما هو أفضل. جاء ليواصل دراسة الطب بقصر العيني، بترحيب مديرها عيسى حمدي.

هل مصر بعيدة؟ ربما تبحث الآن عن وجهة توليها، ولكنها لا تبعد عن موهوب أو صاحب كرامة، فالشاب الذي لم يمهله القدر ليتخرج في الأزهر، ودفعته الغيرة لقتل كليبر قائد الحملة الفرنسية، اتخذ لنفسه مكانة “الشهيد”، وصار سليمان الحلبي ملهما لكتاب المسرح. في أي وقت، لم تكن مصر بعيدة، ولا متعالية. تأسست “جمعية الهلال الأحمر المصري” عام 1898، على أيدي أعضاء منهم الإمام محمد عبده والخواجة شمعون أربيب وسيدي الحاج محمد الحلو وكيل دولة المغرب الأقصى. أدركت الجمعية أن لها مهام خارج الحدود، وأعيد تأسيسها عام 1911، بهدف جمع التبرعات لأهالي طرابلس ضحايا الغزو الإيطالي. ورغم إحكام الاحتلال البريطاني السيطرة على الحدود، فقد هُرّب السلاح والذخائر للمقاومة الليبية. تسلل إليهم عزيز المصري.

مصر كبيرة. فيها زحام يمثل “الدولة” ونظام “المدينة”، وفوضى الريف، وفائض هموم سياسية وفنون وثقافة وإبداع يشغلها أحيانا عن أدوار هي جزء من مسؤولياتها. يسجل نقولا زيادة عن زيارته إلى القاهرة عام 1933، أنه رأى “مدينة لأول مرة. القدس ودمشق وحلب وبيروت بدت لي قرى كبيرة جدا بالنسبة إلى هذه المدينة… باختصار بهرتني القاهرة المدينة… لا يمكنك- إذا استثنيت بعض الأحياء البلدية- أن تفرق بين السيدة المسلمة والمسيحية”.

كانت زيارة نقولا بعد سنوات اضطراب، تعثرت فيها ثورة 1919، وتنازعها رفاق قدامى، ثم استعان الملكان فؤاد وفاروق بحسن البنا في شق الصف الوطني. لنا الآن أن نتوقف عند دلالة ملاحظة نقولا زيادة، بعد أن زار شيخ العروبة أحمد زكي (1867 - 1934): “لم يكن كثيرون من العاملين في مجال الفكر أو حتى في مجال السياسة في مصر، يعرفون ما فيه الكفاية عن قضية فلسطين وما يجري فيها. لكن أحمد زكي باشا- شيخ العروبة- كان يعرف”. (نقولا زيادة: حول العالم في 76 عاما: رحلات مثقف شامي في آسيا وأوروبا والشمال الأفريقي).

ولكن طه حسين، لم يكن مشتغلا بالسياسة بل منشغلا بها، نشر في صحيفة “كوكب الشرق”، في 28 أكتوبر 1933 ربما في وقت زيارة نقولا زيادة للقاهرة، مقالا عنوانه “فلسطين”. وفي الصحيفة نفسها كتب في 4 مارس 1934، ربما في وقت زيارة نقولا زيادة أخرى لمصر، مقالا ينتقد تعنّت الاحتلال البريطاني، إذ يمنع الفلسطيني أن يدخل البلاد.

مصر كبيرة، ولا يكاد قارئ تاريخ مصر يصدق أنها ما زالت تحيا، بعد قرون من الاستعمار والاستنزاف. لا يدرك هذه الحقيقة كثير من أبنائها، بمن فيهم المرضى بالشوفينية. بعد جمعة الغضب 28 يناير 2011 كان العرب، في بلادهم وفي المنافي، يرون جوهر مصر التي يحلمون بها، “مصرهم” القادرة على صنع المستحيل، الناهضة من رماد الموت. قالوا إنهم لن يتحرّروا من الاستبداد المحلي، ومن الاستعمار الصهيوني، إلا بعد نجاح الثورة في ميدان التحرير.كانوا على حق، ولا يزالون.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر