السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

ماذا بعد إعلان النفير

لئن انطلق النفير فمتى ينتهي؟ وما هي ثمار ذلك النفير ونتائجه على مستوى التنمية والبناء وحل المشكلات المستعصية في العالم العربي؟.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/10/03، العدد: 9698، ص(8)]

الذين يدرسون قوانين الدراما يدركون جديا أهمية عنصر “الصراع” في أي دراما كانت، ولا دراما بلا صراع، ولأن الفعل الذي تنطوي عليه الدراما هو جزء صميم متفاعل مع الحياة يستقي قوته منها، لهذا وجدنا أن الحياة نفسها لا يمكن أن تعني شيئا من دون وجود الصراع فيها. وبعيدا عن الدراما وفنونها، لو راجعنا قرونا طوالا من الحياة الإنسانية لوجدنا أن عنصر الصراع هو أحد أهم أركانها الأساسية.

ولعل السؤال الذي طرحه علماء النفس وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا هو لماذا الصراع أصلا؟ وما هي دوافعه؟ ببساطة شديدة يذهبون إلى وجود الحاجة. الحاجة إلى التفوق، الحاجة إلى تلبية دوافع الذات العدوانية، وصولا إلى الدافع الإجرامي الذي يدفع قدما إلى أنواع من الصراع المبني على الانتقام.

وعندما نتفحص الواقع العربي اليوم نجد أن عنصر الصراع هو السمة الغالبة فيه، صراعات داخلية أهلية عنيفة تفضي في كل يوم تقريبا إلى إزهاق أرواح العشرات إن لم نقل المئات في أنواع من الإبادات الجماعية المتبادلة التي يشكل الصراع قوتها الدافعة، فضلا عن تشكل هذا الصراع بأشكال شتى وفضلا عن تجدد هذا الصراع بإيجاد أشكال من الحجج والذرائع. فلا يوجد صراع داخلي عربي لا تجد لدى أطرافه المتصارعة العديد من الأسباب لتسويغه وسفك مزيد من الدماء، بل إن “خطاب الصراع” التبريري يجد العديد من المسوغات العرفانية للقتل وصولا إلى قدسية القتل وكونه معراجا إلى السماء وزلفى للرضا الإلهي.

أما أولئك الوضعيون الحالمون فأنهم يجدون في الصراع الدامي والانتقام من النظام تأسيسا للمدينة الفاضلة الافتراضية، التي عليها أن تسفك مزيدا من الدماء والقصاص من خصومها للوصول إلى ذرى افتراضية، لا تتواجد إلا في المخيلة الخصبة لأولئك الثوار الافتراضيين الذين تمتزج عندهم نزعة الصراع بأغلفة طهرانية وتبرئ الذات من أي ذنب في سلوك فصامي، قل نظيره لم يسلم منه حتى جيل كامل من المثقفين من شعراء وكتاب وإعلاميين وغيرهم ممن أصبحوا طرفا في هذه الديمومة الكارثية من استنزاف الأوطان وخراب الديار.

ولعل من نافلة القول أننا في هذه البلاد العربية التي يعصف بها العنف وتستنزفها الصراعات، لسنا ببعيدين عن استنتاج العبر من دروس الصراع التي طالما عصفت بأمم قبلنا، وليست الأمم الأوروبية إلا مثالا صارخا على صراع دام وحروب كونية أكلت ملايين البشر من أغلب دول المجموعة الأوروبية، ولم تخلف وراءها إلا خرابا وجراحا غائرة.

في مقابل ذلك صرنا، يوما بعد يوم، نشهد استبدالا للنماء والحياة بفكرة الصراع، فالنماء والحياة يتطلبان تشغيل طاقة العقل إلى أقصاها، ويتطلبان عملا مضنيا من أجل البناء، بناء المكان والإنسان، ولأن هذه المهمة عسيرة وتستغرق أزمنة طويلة، ومن أجل جني الأرباح السريعة كانت تجارة الصراع والعنف هي البديل المناسب لشعوب نصفها من الأميين، وإن لم يكونوا أميين فإنهم يعانون من عطب نفسي وعقلي وسلوكي اسمه وباء الطائفية الذي ينخر اليوم حتى في ما يسمى “النخب الثقافية والإعلامية” فلا شغل لها إلا الانتصار للطائفة من خلال شرعنة العنف وتسويغ فكرة الصراع، ولهذا وجدنا أن أسهل القرارات في العالم العربي اليوم هي قرارات إذكاء الصراع واندلاع القتال الداخلي وتوجيه البنادق وكواتم الصوت إلى صدور أبناء البلد الواحد.

لعل فكرة “النفير” هي التي تتوج هذه التراجيديا العربية المتشعبة والمخيفة، التي تعصف بالعالم العربي اليوم. ففكرة النفير صارت بديلا موضوعيا لكل ما عداها ولا صوت يعلو على صوت النفير، والكل، تقريبا، مأخوذ إلى النفير في ظل الحقبة “الداعشية” التي تعيش الأجيال فصولها اليوم دون أن تسأل: لئن انطلق النفير فمتى ينتهي؟ وما هي ثمار ذلك النفير ونتائجه على مستوى التنمية والبناء وحل المشكلات المستعصية في العالم العربي؟

لا أحد يمتلك جوابا محددا واضحا، فهنالك من نزل إلى سوح الوغى وهو لا يدري من أجل ماذا يحارب، من أجل أي غاية مما جبل الإنسان عليه، وحضت السماء على اتباعه في سبيل عمارة الإنسان والديار، ومثلا تعلن الإمبراطورية الأميركية منذ أحداث 11 سبتمبر أن حروبها ضد الإرهاب ستستغرق عقودا طوالا، وها هو فصل جديد من فصول التراجيديا، فهنالك من يقول إن هذا النفير سيستغرق ثلاث سنين أو خمسا أو عشرا أو أكثر، وأما كيف سيتمدد وإلى أي مدى ستصل شظايا هذه النار وما هو المستقبل العربي وشكل الحياة في العالم العربي في ظل النفير وما بعد النفير، فلا توجد إجابات محددة، فلا صوت يعلو على صوت النفير.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر