الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

اللغة ضحية السياسة

الاختلاف توسع في عصرنا الحديث ليصبح خلافا جديا بين المجامع اللغوية في كل من القاهرة وبغداد ودمشق، ولكن هذه المرة على أساس قطري وسياسي.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/10/06، العدد: 9699، ص(15)]

من يقرأ في كتب النحو العربي المختلفة سوف يلاحظ أن هناك بعض التباينات في بعض الحالات الإعرابية لكنها تباينات تدخل غالبا في باب الشكليات أكثر مما هي في باب القواعد. هذا الاختلاف نابع من علماء النحو الذين حاولوا أن يسبغوا على النحو صبغة تميزهم عن غيرهم من علماء النحو، وكأننا ما زلنا في زمن المدرسة الكوفية والمدرسة البصرية دون أية محاولة جادة وعلمية لتطوير هذه القواعد.

بين لغة شكسبير واللغة الأنكليزية الحديثة ثمة تحول كبير قطعته هذه الأخيرة حتى بات قارئ لغة شكسبير يحتاج إلى العودة للمعاجم حتى يفهمها، بينما اللغة العربية ما زالت محافظة على قواعدها وأصولها القديمة، دون أن يمسها أيّ تجديد أو تطوير يحررها من طابعها الشكلاني وييسر علومها واستيعابها بحيث تواكب تحولات العصر الحديث.

على مدى العقود الطويلة عقدت عشرات المؤتمرات من أجل تطوير العربية وتسهيل قواعدها الصعبة، لكن أيّا من تلك المؤتمرات لم يستطع أن يحقق الهدف الذي عقد من أجله، والسبب المباشر كان اختلاف علماء اللغة حول كيفية تطويرها لتصبح أقل تعقيدا مما هي عليه، خاصة وأن العديد من القواعد النحوية يمكن حلها دون أن يؤثر ذلك على قواعد هذه اللغة أو على بنيتها الأساسية.

من المعروف أن علماء اللغة القدماء كانوا في أغلبيتهم من غير العرب، وأنه لم يكن لهم من عمل غير الاشتغال على اللغة، التي اعتبرت لغة القرآن والشعر العربي القديم حجتين قامت عليهما قواعد اللغة. لقد لعب هذا الواقع دورا مهما في تعقيد هذه اللغة التي حاول علماؤها من غير العرب إثبات قدرتهم على منافسة الأصل والتفوق عليه، من خلال ما أضافوه إليها، خاصة وأن العربية كانت لغة شفوية، ولم تعرف التقعيد إلا بعد حوالي قرن ونصف القرن من ظهور الإسلام.

لقد لعب الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية دوره في هذا الصدد، حيث حاول علماء كل مدرسة الدفاع عن نظريته اللغوية والنحوية التي قدمها. هذا الاختلاف توسع في عصرنا الحديث ليصبح خلافا جديا بين المجامع اللغوية في كل من القاهرة وبغداد ودمشق، ولكن هذه المرة على أساس قطري وسياسي حاول كل طرف تكريس مرجعيته وقيادته في هذا الشأن.

هكذا تقدمت السياسة على مصلحة اللغة وحاجتها للتطوير، وجعلت المجامع اللغوية أداة لتكريس المصلحة السياسية على حساب مصلحة اللغة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر