الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

عندما يكون الإعلام وسيلة للتحريض والتخريب

ليست هناك إمكانيات لردع فوضى الإعلام الإلكتروني، ولكن تبقى بعض مراجع البث الإعلامي الرائدة، ومقاييس الحرفية لنخب من الصحفيين العرب ما يعزي من المأساة التي تعيشها بلداننا.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/10/06، العدد: 9699، ص(9)]

لم يكن يتوقع أحد في هذا الكون ذلك الانقلاب الخاطف في ميدان الإعلام كجزء من ثورة الاتصالات الهائلة. سنوات قليلة ماضية تفصلنا عما أنجزه التقدم في الإعلام المرئي (الفضائيات)، فيما كان للإذاعة والصحافة المكتوبة مهابتهما في التأثير في الرأي العام الجمعي في زمني السلم والحرب. قبل أن تسقط أسيجة الأوطان بوسائل وأدوات الإعلام الإلكتروني بجميع فروعه.

حيث تحولت إلى أدوات سياسية ثورية مؤثرة تجاوزت عالم المنشورات والمظاهرات في عهد ما قبل هذه الثورة، إضافة إلى الأهداف الاجتماعية والثقافية والمعرفية التي يزخر بها العالم الجديد.كان للإعلام التقليدي دوره في الحروب والنزاعات الدولية والإقليمية والمحلية، بل تقدم الإعلام على السلاح التقليدي في حسم الحروب عبر الحرب النفسية التي تزايدت أهميتها.

اليوم بإمكان شاب داخل بيته أن يصنع جمهورا لدعواته وجيشا يحقق بواسطته أهدافه عبر “يوتيوب” أو “فيسبوك”، والمكاسب لا تعد ولا تحصى في وظائف الإنترنت لخدمة الإنسان في الإجابة على تساؤلاته وحاجاته المعرفية اليومية، في العلم والصحة والتربية وجميع الحقول الانسانية، إضافة إلى ما يقدمه لمؤسسات الدول الأمنية والاستخبارية من خدمات هائلة في رصد الأعداء ومتابعة تحركاتهم الدقيقة. لقد أنهت هذه الثورة احتكار سلطة الإعلام من يد الحكومات والدول والإمبراطوريات الكبرى، وشاركتها منظمات المجتمع المدني والأفراد. وللأسف أصبح هذا الانتقال مثل تحول “أسلحة التدمير الشامل” إلى أيادي جهلة مغامرين أو عصابات. وذلك واضح فيما نشاهده يوميا من مظاهر لا تعد ولا تحصى.

وتحاول بلدان الاختراع في أميركا والغرب بصعوبة مواجهة هذه المخاطر بإجراءات احترازية، ليست لحماية مجتمعاتها من الانفلات والتحلل الأخلاقي والقيمي، ولكن لحماية أمنها القومي. فعلى سبيل المثال يلاحظ كيف وظّفت التنظيمات المتطرفة هذه الوسائل في هجومها على أميركا والغرب عبر مقاطع الفيديو وغيرها، وتحولت “داعش” إلى قوة خارقة. وبحسابات المنافع والخسائر تجد تلك الدوائر المحصلة مفيدة وخادمة لخططها الإستراتيجية، خصوصا في تلبية متطلبات “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط.

وفي بلداننا هناك عدد قليل من المواقع الإلكترونية الإخبارية الملتزمة بمعايير الشرف والمواثيق الإعلامية، ولها وزنها لدى القارئ العربي، أمام فيضان المواقع حيث لا يستغرق الأمر يوما أو أكثر حتى يتمكن من لديه رغبة أو يكون مدفوعا من جهة ما، من الدخول إلى الشبكة ثم يتقن عمليات القطع واللصق ويسجل لدى موقع الخدمات لينضم إلى القائمة المثيرة للقرف في النزاعات المذهبية والطائفية وكسر كل القيم.

تعددت برامج الخداع والتزوير والتلفيق الإخباري بصورة مذهلة في الكلمة والصورة، حيث اضطرت محطات التلفزيون العالمية والعربية الكبرى إلى تمرير تلك الأخبار المعززة بالصور المفبركة بسبب عدم قدرة تلك المحطات على الوصول إلى مواقع الأحداث. بل إن بعض المحطات الإخبارية العربية تدعو المشاهدين إلى أن يتحولوا لمراسلين مجانيين وأعدادهم بالآلاف لرفد غرف الأخبار. شاهدت قبل أيام مقطع فيديو على “اليوتيوب” نقلته بعض القنوات يظهر فيه أحد قادة “داعش” يسوق مجموعة من النساء المحجّبات السبايا في الموصل لبيعهن، ومع أنني لا أنفي هذا الخبر، فهذا التنظيم يرتكب أفظع الجرائم بحق الإنسانية، ولكن وجدت موقعا آخر يتحدث وبصورة فنية دقيقة عن عملية (editing) لفيلم روائي يُظهر مجموعة من النساء المحجّبات، وقد تم نقل هذا المقطع إلى المشهد الخبري الجديد.

كما نلاحظ يوميا مشاهد للقتل والتدمير والأسر وغيرها من الفظائع تنتقل ما بين سوريا والعراق كمشهدين متشابهين، حسب رغبة إدارات القنوات الفضائية، وهو ما يزيد من تشويش المشاهد في هذين البلدين والعالم العربي. ومع أن الصورة هي أقوى الأدلة الإخبارية، لكنها فقدت اليوم مصداقيتها، وتحولت إلى أداة إعلامية وسياسية في ميدان الحرب الجديدة التي زرعت في العالم العربي؛ حرب الطوائف والقوميات والأقليات. ولم تعد الفضائيات التي تتكاثر كالفطريات في فضائنا العربي كافية فيما تبثه من سموم للاحتراب المذهبي والطائفي. ولم تكتف الجهات والمنظمات الساعية إلى تأجيج الصراعات في المنطقة بالفضائيات أو “اليوتيوب”، فعمدت إلى توظيف الشبكة العنكبوتية عبر مئات المواقع الإخبارية لتمرير الإشاعات والأخبار المفبركة لتحقيق أهداف تحريضية وابتزازية موجهة للأفراد والمنظمات دون أن يكون هناك رادع للحد من هذه المخاطر، ولعل الدول والحكومات أو مصادر خدمات الإنترنت قادرة وبحدود ضيّقة على الوقوف بوجه تلك المخاطر.

ومن الأمثلة المضحكة ما تناقلته بعض المواقع الإخبارية، وكذلك فضائية واحدة وصحيفة معروفة بتوجهاتها الإعلامية والسياسية من خبر مفبرك مفاده “مقتل السيد نظمي آوجي رجل الأعمال العراقي المعروف ورئيس المنظمة الإنكليزية العربية في اليمن، ونقل الخبر عن مصدر من الحوثيين. وكذّب مكتبه ذلك الخبر وأن الرجل لم يسافر إلى اليمن منذ عشر سنوات، وليست لديه مصالح هناك.

ليست هناك إمكانيات لردع هذه الفوضى في الإعلام الإلكتروني طالما أن لأغلبها مصالح استراتيجية في بلدان العالم الثالث ولكن تبقى بعض مراجع وملكيات البث والإصدار الإعلامي الرائدة، ومقاييس الحرفية لنخب الصحفيين العرب الملتزمين بقضايا شعوبهم ما يعزي من المأساة التي تعيشها بلداننا.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر