الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

انزياحات

أصحاب الاتجاه المنهجي في الفلسفة اتهموا فلاسفة الخطاب بأنهم عمدوا إلى تحويل المنطق إلى بلاغة، واختزلوا الفلسفة في مجال دراسات اللغة والنص والكــلام.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/10/09، العدد: 9702، ص(15)]

انزياح الحدود بين الأجناس الأدبية من جهة، وبينها وبين الفنون الأخرى ليست الظاهرة الوحيدة التي تدل على التحوّل الذي أصاب الكتابة الأدبية، والتي اتخذها النقد النصي وأصحاب نظرية التناص حجة على التعالق القائم بين هذه الفنون والأدب، فهناك انزياح أو تداخل من نوع آخر حدث بين علم اللغة والنقد.

وبين الفلسفة والمدارس النقدية الحديثة، برزت بصورة أساسية في الاتجاهات النقدية التي ظهرت في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي وما بعد كالنقد التفكيكي والسميولوجي والنصي والثقافي و...، وإن كان النقد الماركسي هو المثال المبكر على هذا التداخل الحاصل بين هذه النظريات المختلفة.

أصحاب الاتجاه المنهجي في الفلسفة اتهموا فلاسفة الخطاب بأنهم عمدوا إلى تحويل المنطق إلى بلاغة، واختزلوا الفلسفة في مجال دراسات اللغة والنص والكــلام ما جعل الفلسفـــة تتحول إلى أدب.

أما نقاد الأدب المناهضون للمناهج النقدية الأدبية الحديثة فقد اتهموا أصحاب هذه النظريات بأنهم فلاسفة وعلماء لغة فرضوا على النقد مفاهيم وأساليب من خارج الحقل البلاغي الأدبي، ما شكل خروجا بالنقد الأدبي من سياقه الخاص وأخضعه لمفاهيم ومعايير غير أدبية.

هذا السجال الدائر داخل حقلي الفلسفة والنقد الأدبي بصورة خاصة، لم يستطع أن يؤثر في عملية التفاعل والتداخل الحاصلة على هذا المستوى أو ذاك في هذين الحقلين، ذلك أن هذه العلاقة لم تكن مجرد ظاهرة طارئة في سياق هذه العلاقة، أوتحوّل فرضه تطور الفكر البلاغي والفلسفي المعاصر، لأن العلاقة بين الأدب والفلسفة تعود في جذورها القديمة إلى فلاسفة اليونان القدماء، وفي مقدمتهم المعلم أرسطو في كتابه الشعر الذي ما يزال يعدّ مرجعا مهما في نقد الشعر.

في هذا السياق يمكن للذاكرة أن تستحضر العديد من أسماء الفلاسفة الذين كانوا على علاقة وطيدة بالأدب، أو جمعوا بين الفلسفة والأدب، أمثال هيدغر ونيتشه وسارتر وديكارت وغيرهم. لكنه إذا كانت التفكيكية هي المثال الأقرب على علاقة التداخل بين الفكر والفلسفة والنظرية النقدية، فإن ما قدمته من مفاهيم وأدوات نقدية لم يكن سوى تعبير عن موقف نقدي من الحداثة الغربية التي مجدت العقل وكرست سلطته وجعلت منه إنجيلها.

هذه الانزياحات في الفلسفة والأدب والفنون تلاها لاحقا انزياح من نوع آخر هوالانزياح الجغرافي الذي فرضه التطوّر التكنولوجي المذهل في وسائل الاتصال ما جعل الفضاء الكوني متصلا ومتداخلا، وجعل الثقافة الوطنية تخضع لتحديات جديدة تتطلب منها التفاعل بصورة إيجابية مع الواقع الجديد والمشاركة الفاعلة فيه.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر