السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

تراجيديا النزوح وكرنفال الاستبداد

الإنسان الذي جئنا بشكله المتكرر ووعيه المستلب منذ القرون الوسطى حتى الأزمنة الداعشية يشترك مع أشقائه والأجيال التي سبقته في ذلك الاستيلاب المرير الذي يتجسم في نزعة الإلغاء.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/10/10، العدد: 9703، ص(9)]

في كل الأزمنة كان هنالك ضحايا لا يسمع عن قصصهم أحد. ضحايا أنظمة حكم وزعامات تبدأ من القبيلة، وتنتهي عند بلاط الحاكم الظالم. ولقد ظل الإنسان في بحثه الدائب عن بدائل تتيح له الخروج من هذا المأزق الإنساني، وحيث تتكرر صورة الأخ الأكبر التي جسدها جورج أورويل في روايته الشهيرة 1948، عالم افتراضي ولكنه امتداد متكامل لدولة البطش التي مارست ساديّتها على الإنسان الأعزل دون غيره، سواء كانت أنظمة وضعية أو دينية، ففي كل الحالات كان الإنسان الذي لا حول له ولا قوة هو الضحية الدائمة، وكأن الكرنفال الاستبدادي لا يكتمل دون وجود هذا “الديكور” ممثلا في الفرد المقهور المستلب الذي لا يملك من أمره شيئا.

وحتى والدنيا تبتسم لهؤلاء وأولئك من الثوار الجدد وأشكال المعارضات، فإن تلك المعارضات وعلى مر الحقب وتعاقب الأنظمة كرست بدورها هذا الفرد المغلوب على أمره على أنه من دعامات وجودها، عندما انشغل جياع المعارضة في المقاصف وإشباع النهم السلطوي وتعويض سنوات الحرمان والتشرد، وتناسوا ذلك الكائن الذين ادعوا أنهم ناذرون أنفسهم من أجله.

لعل هذا الإنسان الذي جئنا بشكله المتكرر ووعيه المستلب منذ القرون الوسطى حتى الأزمنة الداعشية المرة، يشترك مع أشقائه والأجيال التي سبقته في ذلك الاستيلاب المرير الذي يتجسم في نزعة الإلغاء؛ إلغاء الفرد وإلغاء صوته ووجوده أو تسخيره ضمن نظام القطيع المغسول الدماغ.

وفي المشهد العربي يتم إنتاج الإنسان المستلب والمنسي بنسخ أخرى، فهو لا ناقة له ولا جمل في تيارات التشدد الديني والمذهبي والطائفي الذي يصل في ذروته الكبرى إلى سفك الدماء وقطع الرؤوس، باعتبار أن ذلك السلوك الإجرامي سلوك عرفاني وطهراني لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه.

فهذه التيارات التي تضرب عمق العالم العربي اليوم لا تأخذها رأفة بهذا الفرد المستلب الذي هو أول الأهداف، وأن انتزاعه من بيئته وحاضنته ووعيه المتوازن يتصدر الأولويات، إذ لابد لهؤلاء المستلبين من أن ينقلوا سريعا إلى بيئاتهم المشوشة الجديدة التي لم يسهموا في صنعها ولا سعوا إليها.

لا أحد معني بالفرد وهو يُطحنُ في هذه الأزمة، سوى أنه، مرة أخرى، ليس سوى عنصر من عناصر المشهد: لابد أن تحضر الكاميرات لكي تعرض للكرة الأرضية كلها في بث حي صور هذا الإنسان الفرد الذي تم اقتلاعه من بيئته وحاضنته، فإذا هو يفترش الأرض ويلتحف السماء في تراجيديا هائلة ممن يسمون بالنازحين والمهجّرين وهم اليوم علامة تهرؤ النظام العربي وتآكله.

المشردون الهاربون من العاصفة، ومن الدولة وهي تتشظى وتنتج تجار الطوائف وقطاع الطرق، ومن الجماعات التي أنتجها مجتمع أصابته عاهات في تركيبته الإنسانية وزاد على ذلك قسوة بالغة مارسها على أبنائه، على أولئك الأفراد المستلبين.

طوابير النازحين في مدن وحواضر عراقية، وسورية وليبية ويمنية وغيرها هي صورة جمعية لهزيمة الفرد، الذي جاءنا محملا بأزمات وجوده المتوارثة منذ القرون الوسطى، لتتلقفه أنظمة الحداثة فتقدم لنا مثالا فريدا لفرد يقف في المنتصف: بين الدولة التكنولوجية المتطورة بطائراتها ورؤوسها الذرية، وبين التشظي الاجتماعي الذي يعلن شهادة وفاة الدولة وعطب العناصر الفاعلة في المجتمع، إلى درجة أن بنيات هذا المجتمع لم تستطع لا حماية هذا الفرد الأعزل ومنع آلة الطحن والاستيلاب والهلع والقمع، ولا حالت دون استنبات تلك البؤر التي سرعان ما تكون كيانات هجينة انفلتت عن السيطرة وتغلغلت في الأماكن الواهنة من المجتمع، لتتيح لنفسها فضاء تتجلى صورته في أشكال لا تحصى من التشدد الأيديولوجي المليىء بالعقد.

الإنسان العربي المستلب في نزوحه عن الأنظمة، عن التاريخ، عن الجغرافيا عن الحاضر وعن المستقبل، يقدم اليوم صورة أنتجتها تصدعات النظام السياسي وتشبثه ببقاء افتراضي، واحدة من دعاماته هي المضي في تكريس تراجيديا النزوح باعتبارها علامة من علامات شيخوخة النظام العربي، وشلل أدواته الاجتماعية الفاعلة، وفشل القوى الحاضنة للفرد التي تحصّنه من عواصف النزوح التي لا تنتهي، والتي لم تترك فردا أعزل إلا وكان هدفا لها، كما نشهد على شاشات تعج بالنزوح حيث تتهدد الفرد العربي عاصفة النزوح في أي أرض كان.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر