الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

العنصرية الدينية ضد الدين

السائرون في الركاب، المهادنون للسلطة السياسية، والذين كانوا في نسيج السلطة الدينية، لم يضيفوا شيئا إلى الحضارة الإنسانية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/10/14، العدد: 9707، ص(8)]

من وقت لآخر أعثر على مقاطع فيديو لشجارات رجال الدين، بعد تضارب مصالحهم الاقتصادية، فلا يحتمل أحدهم إلا أن يفضح الآخر. لا يتهمه بل يقول عنه قولا ليس ليّنا، يروي “حقيقة” كانا طرفيها، وتشمل الاستئثار بالاستضافة في الفضائيات، في مقابل إقصاء زميله “الشيخ أيضا”، ثم شروع الشيخ الأول في إطلاق فضائية، لكي يحصد الكم الأكبر من الأموال، حين يصبح مالكا لا ضيفا.

يعي رجل الدين أنه يملك “بضاعة”، ولكي يضمن لها الرواج التجاري فهو يلجأ إلى دغدغة مشاعر تابعيه المضمونين؛ فلا ينصرفوا عنه إلى رجل دين آخر أكثر عنصرية، وبالمزايدة يضاف إلى رصيده الجماهيري صف ثان من الذين فقدوا الأمل في عدالة الحياة، والتمسوا الطمأنينة في نعيم الآخرة.

تاريخ الدماء هو تاريخ العنصرية.. العرقية والطائفية والدينية. عرقيا، أدّى هوس النازي بتفوق الجنس الآري إلى فقدان البشرية عشرات الملايين في الحرب العالمية الثانية، وبعيدا عن ساحات المعارك قُتل ما لا نفع لهم من الأجناس الأخرى، في أكبر عملية إبادة جماعية في التاريخ، كان الإنسان فيها مجرد شيء.

وطائفيا، تعرّض المسيحيون في مصر لاضطهاد وتشريد على يد مسيحيين طائفيين، لمجرد اختلاف المذهب. ولا أجد دراسة وافية عن عنصرية الدولة الصهيونية تجاه يهود فلسطين الذين لم يهاجروا إلى الأرض المقدسة، لكنها بلادهم التي لم يعرف آباؤهم أرضا غيرها ولا هاجروا منها، ثم فوجئوا باليهود الغربيين العنصريين مسلحين بالأيديولوجيا وآلات القتل.

وتجد العنصرية الطائفية الإسلامية- تحديدا- رواجا كبيرا، بل رعاية دولية، رغم إعلان اللاعبين الدوليين مناهضتها حين تقترب من آبار النفط. أشعل اللاعبون لهب الطائفية في عام 1979، العام الذين لم يعطه كثيرون ما يستحق من الدراسة، إذ يجب أن يؤرخ بما قبله وما بعده، هو بحق نهاية القرن العشرين، وبداية حروب كونية يتداخل فيها الدين بالطائفية بالعرقية، ونهاية دول مثل أفغانستان، وتفكك إمبراطوريات مثل الاتحاد السوفيتي، ولن تكون هجمات 11 سبتمبر 2011 آخر لعنات عفريت عام 1979.

كان من المساخر أن يسأل كثيرون بعد إعلان الحرب على الشيعة، بحضور رئيس الجمهورية محمد مرسي في يونيو 2012 ومناصريه من السلفيين: “يعني إيه الشيعة؟”، ولماذا يسميهم المشايخ “الرافضة”؟ وليس أمام عموم الناس الذين لا يعرفون هل هم سنة أم شيعة وقت لمعرفة عُقد تاريخية، ويكفي أن يسمعوا مهووسا طائفيا يزعم أن الشيعة يكفّرون الصحابة، ولهم مصحف يختلف عن قرآن أهل السنة، لكي يكفّروه ويصدروا حكما بقتله، وينفذوا الحكم بأنفسهم.

أما العنصرية الدينية فهي أقـرب إلى وباء يهدد المستقبل، وينسف السلم الاجتماعي في البلد الواحد، البلد لا “الدولة” التي بلغت سن الرشد، واتخذت الإسلام دينا اسمه “القانون”، فلا تفرق بين الناس في ضوء الهوية، ولا تعنى بكتابة ديانة مواطنيها ولا زائريها في الأوراق الرسمية، هذه “الدولة” تُطعم ملايـين المسلمين الهـاربين من وباء نقص “العـدالة الاجتماعية” في “دار الإسلام”، وتؤوي المئات من ضحايا الاستبداد في العالم الإسلامي.

ولكن هذه “الدولة” تمارس نفاقا سياسيا حين تدّعي حماية هؤلاء العنصريين، وهي تستخدمهم مرتين.. تصنع لهم منصات عنصرية، لكي تسخر منهم وتقول للعالم: “هذا هو الإسلام، وهؤلاء هم المسلمون”، وتلوّح بإعادتهم إلى بلادهم حيث المعتقلات والتعذيب، فتتمكن من استخدامهم ورقة ضغط في تهديد العروش، أو تجهّزهم لتولي مهمة استبدال الاستبداد الديني بالاستبداد السياسي.

أخشى أن يسأل أحد يريد الاهتداء إلى دين: لماذا يحتاج الإسلام إلى هذه الجيوش من “الدعاة”؟ هل هذا الدين صعب لدرجة يسهل معها قسمة عدد الخطب- في الإذاعات والقنوات التلفزيونية الدينية والصحف والمجلات الدينية والصفحات الدينية في رمضان وأيام الجمعة وبرامج الفتوى في القنوات العامةـ على عدد المواطنين، فيصبح لكل مواطن خطبة في اليوم؟

لماذا لا يثق كثير من هؤلاء “الدعاة” بالحديث النبوي: “إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق”، فيوغلون في الدماء بغلظة وخشونة.. تحريضا وقتلا معنويا، ويريدون أن يثبتوا أن الدين ضعيف، تهدمه معصية مسلم، أو إنكار أحد لأي من آدابه وسننه، ولا أقول أركانه؟

السائرون في الركاب، المهادنون للسلطة السياسية، والذين كانوا في نسيج السلطة الدينية، لم يضيفوا شيئا ذا بال إلى الحضارة الإنسانية. المتمردون وحدهم وهبهم الله فضيلة القلق؛ فاجتهدوا ونالوا الجزاء نفيا وتكفيرا وقتلا، كانوا عُزّلا إلا من تطبيق سنة الله في خلقه.. الاختلاف.

هؤلاء الضحايا العظام يعاد إليهم اعتبارهم بأثر رجعي، ويصير بعضهم مصدر فخر منزوع منه السياق العام الذي منع انتشار أفكارهم. كانوا هداة إلى حرية العقل الذي اختص الله به الإنسان، وكرّمه به وفضّله على العالمين، من ابن رشد إلى برونو الذي سجن وأحرق، وبعد 300 سنة بكاه البابا، وأقيم له تمثال في المكان الذي أحرق فيه.

لا يجد “إسلامجية” أفنوا أعمارهم في التأكيد على أوهام التفوق الديني، والقرب من الله، والسادية في انتقاد المختلف دينيا، ردا على “انحطاط المسلمين”، والمصطلح لأبي الحسن الندوي، إلا ابتعادهم عن صحيح الدين، كأن الدول المتقدمة قد اهتدت إلى “صحيح الدين”، ولم تجرؤ على إعلان إسلامها. لا يجرؤ هؤلاء على القول إن “الدولة” لا تنهض بالدين، وإنما بالقانون، بالعدل والحرية.

الأديان لا تموت. ما كان الله ليراهن على رسالة هشّة يمكن أن يهدم أركانها كتاب أو فيلم أو رأي لملحد، وهو القادر على أن يجعل الناس “أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين”. إن “الإسلامجية” المتباكين في الفضائيات على تعرّض الدين لخطر هم ممثلون خائبون، ليس لهم عمل ينفع الناس، ويقدمون بضاعتهم لليائسين، وينالون أجورهم مضاعفة من مالكي هذه القنوات، وقد منعني الخجل أن أذكر أسماء “التجار” الذين بدأت بهم هذا المقال.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر