السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الاستشراق

لم تكن صورة الشرق في هذا الاستشراق مجرد موقف دال على حاجة الغرب لاكتشاف هذا العالم الغريب، بل كانت تعبيرا عن حاجة لمعرفة الذات.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/10/17، العدد: 9710، ص(15)]

بعد كل النقد الواسع الذي حاول كثير من الدارسين من خلاله تفكيك بنية الخطاب الاستشراقي، سواء في ما يتعلق بالدور الذي لعبه في خدمة المشروع الكولونيالي الغربي والتعبير عن الرغبة في امتلاك عالم الشرق، أو في ما يخص البحث عن المثير كما ظهر في تمثيلاته وسردياته التي جعلت من الشرق عالما من الحكايات وأرض البربرية والجنس، بوصفها انعكاسا لحالة من إغواء الرغبات أو تعبيرا عن حاجة المخيال الغربي للإثارة والغرابة التي كان يبحث عنها، فكان أن صنع من هذا الشرق ذلك العالم المثالي الذي تتجسد فيه تلك الصورة.

بعد كل هذا النقد الذي جعل من الاستشراق تهمة تلاحق أصحابها، ألا يجدر بالبحث العلمي والموضوعي أن يتناول الجوانب الإيجابية للاستشراق أيضا بعد أن لعب دورا مهما في الحفاظ على الكثير من تراثنا الثقافي في وقت كان فيه هذا التراث عرضة للضياع والإهمال، حتى أصبح كل باحث متخصص في دراسة التراث العربي يحتاج إلى زيارة مكتبات الغرب للحصول على المخطوطات والكتب التراثية النادرة الموجودة هناك.

كذلك لعب الاستشراق دورا مهما في تعريفنا بالكثير من هذا التراث، وفي إثارة العديد من القضايا حول هذا التراث ونقده إلى جانب تطبيق مناهج البحث الحديثة في دراسته. صحيح أن الدراسات الاستشراقية قد ركزت على قضايا التراث وموضوعاته مهملة الأدب والفكر العربيين المعاصرين. وصحيح أن تلك الدراسات عكست ذلك التحيز الواضح في دراسة التراث وما يضمره من غايات وأهداف، لكنه رغم ذلك كان المحرض على التوجه نحو إعادة دراسة هذا التراث والحفر في بنيته العميقة، بغية الرد على أطروحات المستشرقين والكشف عن تحيزاتهم وخلفياتهم غير البريئة.

لم تكن صورة الشرق في هذا الاستشراق مجرد موقف دال على حاجة الغرب لاكتشاف هذا العالم الغريب، بل كانت تعبيرا عن حاجة لمعرفة الذات من خلال هذا المختلف الذي كان لا بدّ من إيجاده لو لم يكن موجودا لتحقيق تلك الغاية.

يقسم الاستشراق إلى نوعين هما الاستشراق التقليدي الذي قام به رحالة وفنانون تشكيليون وعسكريون وأدباء، والاستشراق الحديث كما يظهر في وسائل الميديا المختلفة، لكنه ظل في كليهما أسيرا لسطوة التنميط، وما يعكسه من رغبة في تأكيد تفوق حضارة الغرب وثقافته. هذا البعد الثقافي هو وليد علاقة تاريخية بين الشرق والغرب اتسمت بالصراع والمنافسة، وقد آن الأوان لكي تتخلص من هذا الميراث الثقيل.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر