الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

استراتيجية تتعلق بالخائفين

يطرح السؤال عن الاستراتيجية العربية واستعدادها لتلك العواصف التي تتشكل سواء في العمق الجغرافي العربي، أو خارجه وعن أفق المستقبليات العربية إلى أين تسير وفي أي اتجاه.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/10/17، العدد: 9710، ص(9)]

تتجه استراتيجيات الأمم نحو مصالحها، لاشك في ذلك، لكن أي إستراتيجيات مصالح تلك التي تتحكم بالواقع العربي اليوم، وهل للمواطن الحق في معرفة ما كان وما سيكون؟

واقعيا احتشدت أدبيات العالم العربي السياسية، فضلا عن البيانات الحكومية ونتائج الاجتماعات بوفرة هائلة من الكلام في الإستراتيجيات، فضلا عن الكلام عن مستقبل العالم العربي، وربما غلب على الكثير منها صفة الأماني والأحلام وضرورة أن نفعل كذا ونفعل كذا، ضمانا لمستقبل الأمة ومستقبل أجيالها، فضلا عن كلمة (سوف) التي تسبق تلك الأماني العظيمة التي داعبت الأخيلة على مر زمن ليس بالقصير من الحاجة إلى وضوح الصورة فيما يتعلق بالمستقبل.

ومما لاشك فيه أن علماء المستقبليات كانوا على الدوام مشدودين إلى حقائق موضوعية تتعلق بهذه البقعة من العالم الوطن العربي، لأسباب لا تخفى على أحد كالموقع الجغرافي في قلب العالم وفي وسط المضائق والبحيرات الكبرى، فضلا عن الثروات الطبيعية والهائلة والثروات البشرية.

وفي موازاة ذلك سيكون الخطاب السياسي العربي، هو الآخر، أمام هذا الاستحقاق المتعلق بالإستراتيجية والمستقبل، ولهذا لابد له من نظرة استشرافية لما ستؤول إليه الأمور وفي أي اتجاه تسير.

هذه الخلاصة المهمة تلقي الضوء على تفصيل، بالغ الأهمية، مرتبط بأزمات الواقع العربي، تلك التي جعلت منه محكوما بعدد من المجاهيل، التي تخفى على صانع الخطاب السياسي فضلا عن غيابها، بالنتيجة وتحصيل الحاصل، عن المواطن الذي يسير في متاهة لا يعرف نهاياتها وما ستؤول إليه، إضافة إلى وجود حالـة من القلـق أو الخـوف حتى صرنا أمام إستراتيجيـة عربيـة هي؛ إستراتيجيـة تتعلق بالخائفيـن مـن المستقبـل.

إن هذا الواقع الإشكالي الذي تتجسم أبعاده اليوم صار يتسع قدما، لا ليتعلق بواقع اقتصادي أو تعليمي أو تنموي باتجاهات أوسع، بل صار يتعلق بالحقائق على الأرض المتعلقة ببقاء بلدان بأسرها وكينونتها التي صارت موضع جدال وتساؤل وتكهنات.

ومن ذلك ما صار شائعا مما يعرف بـ“سايكس بيكو” جديدة يجري فيها تقسيم ما هو مقسم أصلا، وهي ترنيمة جديدة صار المحللون السياسيون يرددونها، فضلا عن وسائل الإعلام دون أن تلقى صدى لدى صانع الخطاب السياسي، ولا المخطط للإستراتيجية السياسية العربية- إن وجدت- عن حقيقة ما قيل وما يقال.

ولعل بلدان الأزمة الممثلة في بضعة بلدان عربية التي هي في عين العاصفة، هي الأكثر حضورا في هذا البحث عن المستقبليات السياسية العربية، فهي المهيئة لاحتضان هذا المشروع التقسيمي الذي إن حصل، فمما لاشك فيه أنه سينتقل تباعا إلى ساحات وبلدان عربية أخرى وتتحول نزعة الانقسام والتقسيم إلى أمر واقع وقاسم مشترك وحقيقة لا مفر منها، مهما راهنت هذه الدولة أو تلك على تماسكها وقوة عسكرها وبوليسها ويقظة نخبها ووجود ضمانات من هذه الدولة العظمى أو تلك بألا يصيبها وباء التقسيم من بين يديها ولا من خلفها.

ولعل الساسة قبل غيرهم يدركون أن الضمانات الوحيدة التي تحكم العالم اليوم، وكما كانت تحكمه دائما من قبل، هي ضمانات المصالح والذي بموجبه تتصرف تلك الدول الكبرى أو العظمى.

وسط هذا الجدل المحتدم سيعاد السؤال نفسه مرات ومرات عن أفق الإستراتيجية العربية، واستعدادها لتلك العواصف التي تتشكل سواء في العمق الجغرافي العربي، أو من خارجه وعن أفق المستقبليات العربية إلى أين تسير وفي أي اتجاه، وهل للمواطن العربي أن يحصل على إجابات محددة.

إن هذه الإشكالية في رسم الإستراتيجيات كانت، وستبقى إلى أمد غير محدود، إحدى أهم المعضلات، وإحدى أهم علل هذا الواقع العربي المثقل بالإشكاليـات، وستؤول الأمور إلى ما نشهده من سجالات تحمل طابع التكهن والاحتمالات المجهولة، في ما يتعلق بفوضى التقسيم التي تقترب من تخوم العالم العربي بأجمعه تقريبا، وهو ما يستوجب عدم فتح مزيد من الثغرات لكي ينخر هذا الوباء بالجسد العربي.

إننا أمام إشكاليات تتعلق بالقراءات الإستراتيجية المبنية والقائمة على معطيين اثنين:

المعطى الأول هو ضمان المصالح المستقبلية ومنها وضع اليد على الثروات الطبيعية الهائلة للعالم العربي، التي هي في طريقها إلى النضوب على مراحل. والمعطى الثاني هو التحكم على الأرض في واقع ممزق تتناهبه الصراعات الطائفية والعرقيـة، وتتراجع فيه التنمية والاستقرار إلى أدنى مستوياتهما.

وهما معطيان شبه غائبان عن القراءات السياسية العربية في ظل انشغال الأمة بقتال أبنائها الضالين، وانشغالها بخصومها الداخليين، أو بالصراع مع جيرانها العرب الأقربين أو الأبعدين، وهي انشغالات غابت، هي الأخرى، عن القراءات المستقبلية لأن لا شيء يأتي من فراغ أو من عدم، ولا من دون أسباب كامنة في الواقع العربي نفسه.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر