السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

العنصرية العرقية وباء كل العصور

العنصرية تستعصي على الحل، والتفكك بيسر، إذا اعتصمت بالدين والعرق. بهما يتأكد للعنصري أنه يؤدي مهمة مقدسة، فيرفع الكتاب المقدس وهو يبيد السكان الأصليين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/10/21، العدد: 9714، ص(8)]

قبل عشر سنوات، حين كنت مشغولا بتقصي مصائر الطغيان، تمهيدا لكتابة رواية “ليل أوزير” التي تدور في بدايات القرن التاسع عشر، قرأت أن “الشاعر” المعتمد بن عباد، صاحب إشبيلية، “أقام في قصره حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة”، ووقائع أخرى في “الفردوس المفقود” بالأندلس، تصنّفُ الآن جرائم ضد الإنسانية. لا أستطيع الآن معرفة مصادر هذه الروايات، إذ عادت الكتب إلى أماكنها بالمكتبة، قبل الشروع في كتابة الرواية التي استغنت عن هذه التفاصيل.

ما فعله “الشاعر” المعتمد بن عباد مشهد من مسلسل العنصرية، يؤديه المنتصر، لا فرق بين كريستوفر كولومبوس وجورج بوش وأبي بكر البغدادي. ما فعله نابليون سبقه إليه أبو العباس السفاح. يروي عبدالرحمن الجبرتي أن جيش الاحتلال الفرنسي أطلق النيران، فانفجرت في الجامع: “ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيل… وربطوا خيلهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة وكسروا القناديل… ونهبوا ما وجدوه من المتاع… ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها، وبأرجلهم ونعالهم داسوها”. فماذا سلك السفاح؟

كان السفاح سفاحا، وكفى، ويقال إنه كان “شديد التدين”. ويسجل ابن كثير في “البداية والنهاية” أنه دخل دمشق بالسيف، وأباح فيها القتل، وجعل جامعها سبعين يوما إسطبلا لدوابه، وأنه بدأ عهده بالعبث بالجثث، إذ “نبش قبور (حكام) بني أمية، فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطا أسود، ونبش قبر عبدالملك بن مروان فوجد جمجمة.. أما هشام بن عبدالملك فقد وجده صحيحا فأخرجه وضربه بالسوط وهو ميت، وصلبه أياما ثم أحرقه، ودق رماده، ثم ذره في الريح… أرسل امرأة هشام بن عبدالملك، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة… وجردها عن ثيابها ثم قتلوها، ثم أحرق ما وجده من عظم ميت منهم”.

ماذا نسمي هذا الانتقام؟ وأي شعور بالنصر على رماد، أو جثة، أو أرملة قليلة الحيلة؟ تلك إحدى صور “الخلافة”، وليست جرائم “داعش” إلا صدى لسيرة السفاح. استلهموا عمامته ورايته ودمويته، كلاهما ينتصر بالرعب، ويتباهى بالذبح، كما يفخر كثيرون بالحضور العربي في الأندلس، ويتباكى شعراء على “الفردوس العربي المفقود”، ولا يعتذر أحد عن جرائم في حق أهلها الذين لم يستدعوا العرب، ولا طلبوا التدخل.

ألا يكون بكاء “الفردوس الأندلسي المفقود” مبررا لكل من له “مشروع فرودس”، “أرض ميعاد”. هل يسوّغُ الإنجاز العربي في بلد أوروبي حلم “العودة” ولو نفسيا؟ ألم تخطط بريطانيا في مصر، وفرنسا في الجزائر لبقاء دائم، وكانت “إنجازاتهم” لخدمة مشروع هذا البقاء، لأن “البلد بلـدهم”، فقبيل أن تنزل أقدام الجيش الفرنسي وهي تخوض في دماء الشهداء، كان الجنرال شارل ديجول يصرّ على أن الجزائر قطعة من الجغرافيا الفرنسية، ويحثّ جيرانه على الدفاع عن “الشرف” الأوروبي.

تعيد العنصرية تدوير آلياتها وخطابها الهابط من قمة السلطة، أو المتسلل إلى القاعدة الفقيرة. ففي 29 يوليو 2011، “جمعة قندهار”، حشد تنظيم الإخوان الأنصار من القاهرة والمهاجرين من الأقاليم، إلى ميدان التحرير، ولم يجرح كبرياءهم “الوطنية” ارتفاع أعلام القاعدة، وتعليق صور أسامة بن لادن على صدور مثقلة باللّحى المسدلة، وهتف بعضهم: “يا أوباما يا أوباما.. كلنا هنا أسامة”. ويوم الجمعة الماضي (17 أكتوبر 2014) رفعت أعلام “داعش” في حي إمبابة الفقير جنوبي القاهرة.

تستعصي العنصرية على الحل، والتفكك بيسر، إذا اعتصمت بالدين والعرق. بهما يتأكد للعنصري أنه يؤدي مهمة مقدسة، فيرفع الكتاب المقدس وهو يبيد السكان الأصليين، ويعطي نفسه الحق في تغيير اسمهم، فيصبحون هنودا حمرا، وهم لا يعرفون أين تقع الهند التي أخطأها كولومبوس.

وبالعنصرية التي ارتفع فيها منسوب التفوق العرقي، تم قنص عشرات الملايين من الأفارقة، وشحنهم مقيدين بالسلاسل في ظروف غير آدمية إلى أميركا، وبيعهم عبيدا للعمل في المزارع.

وتسعى السينما الأميركية، في “جانجو” و”12 عاما من العبودية” وغيرهما، إلى التكفير عن بعض تفاصيل تلك الخطيئة، ولكنها تمنح الرجل الأبيض دور البطولة في إنقاذ العبيد وتحريرهم، إلا أنها لا تعنى بمصائر السكان الأصليين، ولا تسلط أضواء على جرائم اقترنت بوصول كولومبوس، بل تسهم في تشويههم، وتنميطهم كسلالة دون البشر. يسجل المؤرخ الأميركي هوارد زن في كتابه “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة” بعض شراسة الأسبان، إذ كانوا “يزدادون مع الأيام علوا وكبرياء… يرفضون السير على أقدامهم ولو لمسافات قصيرة، إذ كانوا يتخذون من ظهور الهنود مطايا، أو يجلسون على محفات يتناوب الهنود على حملها”، ويحمل هنود آخرون فروع أشجار كثيفة لتقي راكبي المحفات حرارة الشمس.

ويرى في سلوك الغزاة “وحشية كاملة، فلم يهتز للأسبان طرف وهم يطعنون عشرات الهنود، ولم تهتز ضمائرهم وهم يقتطعون من أجسام الهنود شرائح كي يختبروا بها مدى حدة نصالهم”. ولم يكن هؤلاء الودعاء الآمنون يستحقون هذا المصير، فلم يمارسوا عدوانا على أحد، بل إنه: “قبل مجيء المسيح بألف عام، وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تشيد فنا ومعمارا عظيمين، كان هنود الزوني والهوبي (نيو مكسيكو الآن) يشيدون القرى والمباني ذات الشرفات”، والحصون والروابي والأهرام في مناطق منها وادي المسيسيبي ووادي نهر أوهايو.

لعل جرائم الكاثوليك البيض أكبر “هولوكوست” منسي في تاريخ البشرية، فلم يتمكن الضحايا إلا من الاحتفاظ بحد أدنى من الحياة، ولم تصبح لهم دولة تطالب باعتراف المجرمين، تمهيدا للمطالبة بتعويضات، وابتزاز الضمير الإنساني، كما تفعل إسرائيل في “هولوكوست” اخترعته اختراعا بعد حرب 1967 لتبرير جرائمها.

تفتقد السينما الأميركية نموذج شارلي شابلن الذي اعترض على العدوان الثلاثي على مصر 1956، وقال: “إن الدولة التي يقوم كيانها على دعوة عنصرية دينية مثل إسرائيل لا يمكن لها البقاء”، ورأى أن السم العنصري انتقل من الجلاّد النازي، إلى ضحية تمارس عنصريتها على الفلسطينيين، وسخر قائلا: “إن تجميع اليهود في دولة واحدة أمر مضحك يشبه تجميع المسيحيين كلهم في الفاتيكان”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر