الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

زمن التحولات الشعرية

الشعر سيبقى حاجة إنسانية كبيرة لكسر مادية هذا العصر الطاغية واستعادة روح الأشياء والوجود في عناق الإنسان الأبدي معها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/10/28، العدد: 9721، ص(15)]

لعبت البيانات الشعرية التي كان صدورها يرافق التحولات الهامة في مسيرة الشعر العالمي ومدارسه واتجاهاته دورا مهما في الكشف عما كانت تفصح عنه اللحظة الشعرية الجديدة الفارقة من تحول وتبدل كبيرين في الوعي الجمالي والفكري، الذي كان يقود مغامرة الشعر نحو تخوم جديدة في أرض الخيال واللغة والرؤية إلى العالم والذات والأشياء.

لذلك فإن غياب هذه الظاهرة عن المشهد الشعري الراهن يطرح أكثر من تساؤل حول مستقبل الشعر وآفاقه المحتملة، لا سيما بعد أن أصبح السؤال الذي يتردد كثيرا: ماذا بعد قصيدة النثر؟ وهل يمكن أن تكون هذه القصيدة هي المغامرة الأخيرة في سيرورة تاريخ الشعر وفتوحاته الجمالية؟

في الجواب عن هذا السؤال قد يعمد البعض إلى الربط بين غياب هذه البيانات، وتراجع حضور الشعر في المشهد الثقافي العالمي والعربي، لصالح الرواية ووسائل الميديا ما انعكس سلبا على واقع التجربة الشعرية ومركزية حضورها في المشهد الثقافي العالمي. فهل حقا لم يعد للشعر ما يقوله أو يؤسس له من تحولات بعد أن استنفد كما يقول ناقد عالمي طاقة اللغة التعبيرية في حمى البحث عن الجديد والمختلف؟

قد تكون الإجابة بنعم ولا هي الإجابة التي تتوسط رأيي المتشائمين والمتفائلين بمستقبل الشعر، لأن في ما يقوله أصحاب الرأيين صحيح، فالشعر لم يعد ظاهرة جماهيرية ، وقد تحول إلى مغامرة معقدة مع اللغة تتقدم كثيرا على وعي المتلقي الجمالي وحساسيته الشعرية، الأمر الذي جعل منه تجربة ذاتية ثقافية يصعب فك مغاليق رموزها الكثيفة وإدراك جمالياتها وأسرارها الكامنة في هذا اللعب على اللغة ومعها في مغامرة التخييل المفتوحة على مداها في قرن التحوّلات السريعة الأخير، الذي عكس تحولا متسارعا في القيم والمفاهيم والحساسيات تساوقا مع تجربة إنسانية وجودية وفلسفية عميقة الآثار والنتائج.

لكن الشعر الذي هو قيمة جمالية عالية، رافقت مسيرة الإنسان واندغمت في وجوده منذ طفولته الأولى، فكان صوت نشيده الأول في برية وجوده المحتشد بالأسرار والدهشة.. وفضاء جناحيه الذي يحاول أن يحلق فيه خارج عالم الحواس ومحدودية الكائن.. هذا الشعر سيبقى حاجة إنسانية كبيرة لكسر مادية هذا العصر الطاغية واستعادة روح الأشياء والوجود في عناق الإنسان الأبدي معها.

عندما سيطرت التكنولوجيا على حياة الإنسان الحديث قيل إن الأدب والفن في خطر، لكن تلك التوقعات لم تكن سوى تعبير عن عجز أصحابها عن فهم علاقة الإنسان بها ومدى حاجته إليها، لذلك لا خوف على الشعر ما دام صوت الإنسان في حلمه وانكساره معا.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر