الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

مفاتيح التغيير بيد العبادي

المفتاح المهم هو قدرة العبادي على بناء سياسة خارجية تعيد العراق إلى حاضنته العربية، وتحافظ على حسن الجوار مع إيران وتركيا باحترام سيادة العراق، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/11/03، العدد: 9727، ص(9)]

يقول البعض إن الحالة العراقية ميئوس منها ومن الصعب حل إشكالاتها الأمنية والسياسية، في ظل الإصرار على قواعد النظام السياسي الطائفي الذي قسم شعب العراق إلى طوائف وأعراق شحنها بدوافع الحقد والثأر، ويؤكد المتشائمون أن الدماء التي سالت خلال أحد عشر عاما ما زالت تغذي هذا الانقسام. ولكن في المقابل هناك من يعتقد أن الأزمات قد تفتح الأبواب أمام انفراجات جزئية، وتحدث اختراقات صغيرة في جدار الكارثة، إذا ما توفر المخلصون للوطن وثقل ميزانهم على غيرهم.

ودون الدخول في مفردات الانهيار الأمني وسقوط مدن كبيرة بيد تنظيم “داعش” لم تعلن أسبابها إلى حد اللحظة، إلا أن هذا الظرف الخطير أخذ الأزمة السياسية العراقية إلى ميادين معقدة تشابكت فيها المصالح الإقليمية والدولية بما لا يستطيع الوضع العراقي تحمله. وفي مقدمة الصعوبات المستجدة التي تعيق أي محاولة سياسية للإنقاذ والإصلاح، منطق الأولويات (لا صوت يعلو فوق صوت البندقية) علما أنه لم يعد جديدا القول إن ما حصل هو نتيجة لأسباب سياسية واضحة: ما وقع من ظلم وتنكيل واستباحة في حق العرب السنة فاق بكثير ما كان يتداوله سياسيو الإسلام السياسي الشيعي في العهد السابق من شعار (المظلومية الشيعية)، بل الأخطر من ذلك كله تصنيع واجهات سياسية من العرب السنة تشكل غطاء للعبة.

ولعل التدهور الأمني والسياسي في ظل حكم نوري المالكي قاد الأميركان بالتعاون مع البيت الشيعي وإيران إلى عملية إزاحة المالكي وتنصيب حيدر العبادي في أدهى عملية استئصال سياسي، وفق شروط واضحة للإصلاح والتغيير، ويبدو أن العبادي قبل التحدي في برامج وتصريحات متواصلة يشير من خلالها إلى جسامة التركة في ميادين الأمن والسياسة والاقتصاد، طالبا منحه الفرصة الزمنية للإصلاح والتغيير. ولكن الجريح الذي ينزف ليس لديه الزمن المضاف، وإذا كان العبادي، وفق بياناته، لديه رؤية للإصلاح والتغيير، وهو يحتاج إلى الزمن، لكن هناك مفاتيح حقيقية لشوط البداية، أبناء العرب السنة في حاجة إليها لإعادة الثقة المفقودة بينهم وبين الحكومة، فهل قدم العبادي إلى حد اللحظة ما يرفع جزءا من ضغط الإحباط العام؟

لاشك أن العبادي يبحث عن النصر العسكري ليصبح الزعيم الوطني للتحرير ولديه دعم لم تشهده حكومة في التاريخ المعاصر، عند ذاك فهو لن يحتاج إلى رضى أحد. لكن أثبتت التجارب أن النصر يمر عبر العرب السنة. وساحة المعارك ضد داعش في العراق تشير إلى سباق أميركي إيراني، وبالتالي ميليشياوي شيعي مسنود بالمال والسلاح، مقابل طرف عشائري سني بلا سند سوى تصريحات أميركية خجولة تتحدث عن التدريب دون سلاح وسط تعقيدات في محافظات العرب السنة. وللأنبار خصوصية وموروث عمره قرابة العشر سنوات في طبيعة الصراع وتداخل المصالح بين رجال العشائر، كما أضافت ظروف الحراك الشعبي، بعدا جديدا على الأزمة المحلية حين تحول إلى نشاط مسلح ضد الحكومة اختلط بعمليات “داعش” فأصبح ثوار العشائر “داعشيون” وفق عمليات تسقيط وسحق على الوجاهة والمنافع. وهؤلاء أصبحوا أهدافا من قبل الحكومة وداعش وزعماء العشائر الآخرين. أما في الموصل فاللعبة مختلفة حيث التنافس سياسي بين الزعامات التقليدية. والحكومة تعرف هذه التفصيلات وتستفيد منها.

المفتاح الثاني الذي يمتلكه العبادي لتهدئة النفوس هي مجموعة من القرارات والإجراءات التي بيده وضمن صلاحياته تتمثل في إطلاق سراح آلاف الأبرياء من المعتقلين والمعتقلات، وإحالة المذنبين إلى القضاء، وإسعاف النازحين، ومنع الميليشيات المسلحة من تنفيذ الانتهاكات الصارخة في القتل والتغييب تحت شعار “داعشي”، والتعامل مع العرب السنة بمكيال المواطنة في مجال إعادة الحقوق المدنية المهدورة وفق العدالة، وهناك شواهد وأمثلة كثيرة على تعطيل معاملات حقوقية فردية يتم التعامل بها بمكيال طائفي.

هناك مفصل مهم ترك آثارا كارثية على سمعة العراق، وحوّل خزينته المليارية إلى خاوية وهو “الفساد”. وهذه مشكلة تتعلق بعموم الشعب العراقي. فكارتلات الفساد التي هيمنت على مرافق الحكومة، تحتاج قوة هائلة لتعطيل مفاعيلها وإنهائها. إن الجدية في هذا الميدان تتطلب حملة وطنية عراقية يقودها العبادي نفسه، وذلك باستبدال قانون “اجتثاث البعثيين” بقانون “اجتثاث الفساد”.

ورغم تشكيل حكومة العبادي وفق المحاصصة الطائفية، إلا أن الفرصة قائمة لتحريم “الطائفية السياسية” منهجا وسلوكا، فإحدى معالم الكارثة السياسية وصول حزبيين بلا كفاءات في مناخ دخول الشهادات المزورة إلى أعلى مراتب الدولة، وهذا مما أعاق أي محاولة لبناء الدولة المدنية، دولة المؤسسات، إضافة إلى تعطيل التنمية.

المفتاح المهم هو قدرة العبادي على بناء سياسة خارجية تعيد العراق إلى حاضنته العربية، وتحافظ على حسن الجوار مع إيران وتركيا باحترام سيادة العراق، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية. إذا كان العبادي يمتلك إرادة التغيير فهي متاحة أمامه لكنها مهمة ليست سهلة، فأمامه عقبات حزبية وطائفية كثيرة، هناك من يريد إبقاءه على مسار المالكي، إلى جانب التيار المتطرف غير المؤمن بالانفراج والمصالحة والاعتراف بالآخر، والزمن ليس من صالحه، وفرصة التغيير لن تتكرر.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر