الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

قبل انهيار السد كلام لأنفسنا وللسيسي

بعد مقابلة السفيرة الأميركية، لخيرت الشاطر انطلقت من 'منصة رابعة' تهديدات لا تحتمل التأويل، وكان على المصريين أن يختاروا بين ثورة سلمية، وتنظيم عنصري.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/11/05، العدد: 9729، ص(8)]

لم أنتخب محمد مرسي، ولكنه كان رئيسي، وكذلك عبدالفتاح السيسي. وجهت لمرسي التحية مرتين، يوم 3 أكتوبر 2012 كتبت: “شكرا للرئيس على منح قلادة النيل للفريق الشاذلي”، وكتبت حين أفرج عن معتقلي الثورة يوم 8 أكتوبر 2012: “سعيد بقرار الرئيس العفو عن معتقلي الثورة. بداية حلوة للـ100 يوم الثانية، لعلها تخلو من الكذب الإخواني!”. ثم انتقدت استبعاده قادة الجيش، وشركاء حرب أكتوبر، من الاحتفال بالنصر، في حين حضر قتلة أنور السادات بصحبة الرئيس. وبعد الإعلان الدستوري في 22 نوفمبر 2012 لم يعد مرسي رئيسا. هذه بداية غير موفقة لمقال يتقصى بديهيات، يبحث عن جذور الإرهاب، وقود الدم.

يوم الجمعة 30 نوفمبر 2012 أعلن “إسلامجية” يقودهم سعيد عبدالعظيم، نائب رئيس الدعوة السلفية، من منصة ميدان نهضة مصر: “مصر إسلامية رغم أنف العلمانية”، ودعوا إلى الاعتصام أمام المحكمة الدستورية العليا في اليوم التالي، ثم بدأ أنصار حازم صلاح أبو إسماعيل والمهاجرون إليه حصار مدينة الإنتاج الإعلامي. من هناك خطب رجل يقال له الشيخ وحيد إمام: “أيها المرابطون، أيها المجاهدون، أيها المستعدون للدفاع عن دينكم وشريعتكم. أبشروا، فالنصر قادم قادم، والإسلام قادم قادم (تكبير). أبشروا أيها الأحباب فإن لكم إخوة، مئات الألوف، منتظرون في أماكن لساعة الصفر (تكبير)، فقد تم ترتيب الأمر (تكبير، الشريعة جاية جاية). إخوانكم في أماكن متعددة من القاهرة في اجتماعات مثلكم تماما، في أماكن معروفة ومنتظرون ساعة الصفر. إخوانكم في المحافظات، في الصعيد والمنوفية والفيوم وكفر الشيخ وغيرها في انتظار ساعة الصفر، فليدخل الفئران إلى جحورهم، وليظهر الأطهار”، وتلقف منه الميكروفون الذي صنعه الغرب “الكافر” شيخ، وأطلق هذه البشرى: “كنا في الاجتماع، المهندس خيرت الشاطر قال للشيخ وحيد (إمام) وللعلماء: فيه مئات الآلاف مرابطين في عشرة أماكن في القاهرة”.

بداية ثانية غير موفقة أيضا لمقال لا يقلّب في دفاتر الإخوان، ولا يأسى على حالة اللادولة، بقيادة رئيس منتخب مسكين هان على رئيسه خيرت الشاطر الذي يستعين بمئات الألوف، يأمرهم فيطيعون، وينتظرون ساعة الصفر، لغزوة افترض فقراء الخيال وقوعها بين الكفر والإسلام، ولم يكن الدين في الغزوة الوهمية مطروحا، ولا الإسلام غائبا عن أي طرف. لم يكن هؤلاء “المجاهدون المرابطون” في نزهة، ولا كان التهديد قبيل أيام من 30 يونيو 2013 عبثا، بعد مقابلة آن باترسون، السفيرة الأميركية، لخيرت الشاطر، انطلقت من “منصة رابعة” تهديدات لا تحتمل التأويل، وكان على المصريين أن يختاروا بين ثورة سلمية تريد تصحيح مسارها، وتنظيم عنصري له ميليشيا، يصطف معه تكفيريون، عاصم عبدالماجد المتهم بالاشتراك في قتل 118 جنديا ومواطنا في عيد الأضحى (1981)، وصفوت حجازي صاحب مقولة “الرش بالدم”، ومحمد بديع: “سنحمي الشرعية بدمائنا”، وطارق الزمر المشارك في اغتيال السادات: “سنسحقهم يوم 30 يونيو”، وأيمن الظواهري: “سنقدم الضحايا والقرابين”، ومرسي: “إيه يعني لما يموت شوية عشان الباقي يعيش؟”، وحازم أبو إسماعيل: “إيه يعني لما يموت 10 آلاف في سبيل مشروعنا؟ مصر فيها 90 مليون”.

قبل 30 يونيو كان التأكيد على رفع العلم المصري، في الخروج الكبير، وتجنب رفع صور أشخاص، عبدالناصر تحديدا. لم يكن اسم السيسي مطروحا. بداية ثالثة للمقال جانبها التوفيق، فقد سبق أن قلت هذا الكلام، هنا في “العرب” يوم 29 يناير 2014، في مقال “كلام للسيسي.. سنحتاج إليه، إلى الكلام طبعا”. وسط كم خانق من الضباب والغبار وافتقاد المعنى، يصعب أن أتذكر بداية واضحة لمقال عن واقع تتآكل معالمه، ولا يبقى فيه إلا “معالم” سيد قطب لمن منحهم الله اليقين المستغلق، المستغني بنفسه.

أستعيد أيام البراءة، لأكتشف أن حسني مبارك لم يسقط في 18 يوما، وإنما في ست ساعات. قبيل “جمعة الغضب” كانت المطالب إصلاحية، إقالة وزير الداخلية، وتعديل بعض مواد الدستور، وقبول الطعون في الانتخابات المزورة. بعد 72 ساعة تغيرت قواعد اللعبة، حين قتلت الشرطة أبرياء بعد صلاة الجمعة، في أماكن وساحات مفتوحة تخلو من مراكز الشرطة. وما بين الواحدة ظهرا والسابعة كان مبارك قد انتهى، اكتسح الطوفان الشعبي 1.3 مليون شرطي في الشارع، الشرطة مساكين، الجنود ولو كانوا عبيدا لن يقدموا أرواحهم فداء لجلاد غبي يحتمي بقانون الطوارئ أو يسلب حق التظاهر، هذا ما لا يريد النظام أن يفهمه، ولا يريد أن يعي أن الشعب هو الذي تولى حماية الجيش بعد 30 يونيو. استهان الشعب بحظر التجول بعد جمعة الغضب، وفي بورسعيد ومدن القناة في يناير 2013 ساخرا من مرسي، ولكنه استجاب بعد 30 يونيو لأنه شريك وفاعل، ويتذكر أن السيسي لم يكن مطروحا قبل 30 يونيو، وليس مستهدفا بعدها، ولكن المستهدف هو “الدولة” دين الشعب، ولولا حماية الشعب للجيش لأكل “الإسلامجية” الجنود والمدرعات في الشوارع، وسالت أنهار دماء توعدنا بها الإرهابيون من منصة رابعة.

هذا “السد” يتآكل، قواعده الآن عارية أو تكاد، وخلف السد تيار هادر، لن يبقي على شيء ولا أحد عند الانهيار، سيكون كل شيء مباحا في شريعة ما بعد اليقين، ما بعد اليأس، ما بعد الثورة، وبئس الثورة التي يحلم صانعوها بمجرد الإبقاء على هامش الحرية القديم. في 25 يناير حدث فيضان، ثورة حالمة محدودة يسهل استئناسها، ولكن اليأس بعد أربع سنوات سيخلق طوفانا تجاوز مرحلته الجنينية، وسيكون عصيا يكسر عصا الأمن التي لا تنهض بها دولة، ولا يستمر بها نظام.

أيام الإخوان، أدى اليأس من العدل إلى الكفر بثورة 25 يناير، وحاليا يتواصل شق صفوف 30 يونيو بسبب تراجع الحريات. كثيرون ممّن يتصدون للحماس للسيسي من أعداء الثورة، يجيدون نحر جذر الشجرة التي يكتسب منها شرعيته، وبسقوط الشجرة لن يحتاج الطوفان إلى ست ساعات. الآن عثرت على بداية مناسبة للمقال.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر