الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

اللعب بالإنسان العراقي

تحقق مشروع 'الإفراغ الطائفي' وكانت النتائج العرضية كارثية على مستوى تفريغ مؤسسات الدولة من الكفاءات المهنية الهائلة، ومن بينها مؤسسة الجيش والأمن.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/11/10، العدد: 9734، ص(9)]

حلقات النزوح والهجرات المليونية التي يشهدها العراق هي جزء من مسلسل الكوارث منذ عام 2003 إلى حد اليوم، وهو مسلسل يستهدف المواطن الذي مزقته الحروب الكبرى، التي أحيت شحنات أحلام الزعامة القومية وحماية البوابة الشرقية وتطلعات انبعاث الامبراطوريات التي هيمنت على العراق في مفاصل من تاريخ الوهن والضعف في كيانه السياسي. وإذا ما خمدت تلك الشحنات في لحظات معينة، فإنها سرعان ما تجددت على وقع لعبة المصالح الجديدة، ولاشك أن موجات الهجرة والنزوح داخل وخارج الوطن هي لعبة استثمرها السياسيون الكبار والصغار.

محنة النزوح خلال القرن الماضي استثمرت من قبل القوى الكبرى لتمرير مشروع الانقضاض على الحكم السابق، عبر إجراءات مبرمجة امتدت لأكثر من عشرين عاما، وتراوحت بين الحصار الاقتصادي، وتسويق الملف الإنساني وتلفيق ملف “أسلحة الدمار الشامل”.

كان الاستخدام السياسي للإنسان العراقي رخيصا وساذجا تم تمريره على الرأي العام الدولي. واستخدمته جميع المنظمات العالمية الإنسانية لتمرير فكرة بشاعة النظام ودمويته بحق “الأكراد والشيعة” لتمرير مشروع إسقاطه. والجميع يتذكر زيارة التحدي لكردستان عام 1991 من قبل دانيال ميتران زوجة الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران، وقيادتها للحملة العالمية انطلاقاً من أرض كردستان، حيث استثمرت مكانتها الإنسانية لتمرير مشروع سياسي دولي محبك. النتائج الأساسية هي أن أكثر من تسعين بالمئة مـن العراقيين الذين استقروا في بلدان الغرب، تحولوا إلى مواطنين في تلك البلدان يزورون وطنهم الأم كسائحين.

تلك الحقبة من النزوح والهجرة لم تغير من ديموغرافية المجتمع العراقي المتماسكة وذلك لعدم وجود مشروع سياسي محلي يمتلك مثل هذا الهدف، لكن هذه القضية استخدمت كأداة لمشروع إزاحة الحكم الذي تحقق عام 2003 عبر الاحتلال العسكري الأميركي في ظل استراتيجية لم تكن مضمومة حيث فتحت الأبواب أمام أخطر مشروع يهدف إلى تمزيق الكيان العراقي من داخل قواعد بنيته التحتية، إزاحة الهوية الوطنية وإحلال الهويات الطائفية والعرقية، وبناء كيان سياسي معترف به دستوريا ودولياً يعطي مشروعية لهذا الهدف الكبير الذي وجد صداه لدى المتعطشين للسلطة والجاه والمال.

ولعل الكثير من المراقبين تساءلوا، وما زالوا، عن الأسباب الحقيقية وراء حالة انهيار المنظومة المجتمعية العراقية الموحدة، هل كانت تلك الوحدة شكلية واختفت تحت القبضة الحديدية للأنظمة المتتالية منذ تأسيس الدولة العراقية مروراً بحقبة نظام صدام حسين؟ ولماذا تمكنت مشاريع الإسلام السياسي “الشيعي والسني” من إطلاق الشحنات العاطفية الطائفية والهيمنة على الجمهور العراقي وتحويله إلى جمهورين؛ “سني وشيعي”، ونقل أزمات الصراع على السلطة التي غذاها وشجعها الأميركان إلى عموم أبناء العراق، وتصعيد الأزمات لدرجة التصادم والصراع الدموي من خلال الدعـوات المليشيـاوية التي حلّت محل الجيش الوطني الذي أصبح منتسبـوه خـارج المواطنـة عاطلين متسكعين في بيوتهم، ثـم مهـاجرين إلى دولة الجوار سـوريا التي احتضنهـم نظامها وفق شعاراته بدعم مقاومـة “الاحتـلال الأميـركي” آنذاك.

اللعبة في هذه المرحلة تبلورت في تبني مشروع إعادة بناء ديموغرافية جديدة للمجتمع العراقي لكي تتكيف مع المشروع التقسيمي الطائفي، ولكي يعاد رسم هذه الخارطة انطلاقاً من العاصمة بغداد المعروفة بتركيبتها المختلطة والفسيفسائية، خصوصاً خلال عامي 2006 و2007 حيث ارتفع نسق عمليات الخطف والقتل والاضطهاد في معاملات الحقوق المدنية، والتنفيذ البشع لقانون “المساءلة والعدالة والمادة أربعة إرهاب”، اضطرت بعدها آلاف العوائل لبيع ممتلكاتها ومساكنها والهجرة إلى بلاد الشام حيث احتضنهم شعب سوريا الشقيق. وانتقل آلاف العلماء والأطباء والمهندسين والنخب الثقافية والفنية أصحاب المستويات النادرة للهجرة إلى كل من الأردن وبلدان الغرب.

لقد تحقق مشروع “الإفراغ الطائفي” وكانت النتائج العرضية كارثية على مستوى تفريغ مؤسسات الدولة من الكفاءات المهنية الهائلة، ومن بينها مؤسسة الجيش والأمن، وإحلال الجهلة والأميين الذين أصبحوا أعوانا وعناصر لمافيات الفساد التي هيمنت على جميع مرافق الحكومة، وجرى ما جرى خلال الثماني سنوات الماضية، وآخرها استباحة ثلث مساحة العراق من الوطن وحكمها من قبل التنظيمات المتطرفة، وانكشاف هزال المشروع الحكومي في بنائه مع الأميركان لجيش لم يصمد ساعتين أمام بضعة آلاف من المتطرفين.

والأخطر من ذلك كله تحويل مسرح المعركة إلى كونها معركة “طائفية سنية شيعية” وتنفيذ الأجندات السياسية وفق ذلك. مما أعاد انبعاث المرحلة الجديدة من موجات النزوح والتهجير “الطائفي” التي أخذت شكلاً جديداً داخل الأراضي العراقية بعد إغلاق منافذ الحدود الغربية (مع سوريا والأردن) إلا أنها موجة أكثر وضوحاً في هويتها الطائفية. فالنازحون هم من أبناء المحافظات العربية السنية الست التي كانت مسرحاً لتصاعد أزمة الحكم في العراق، وأصبحت أراضيهم مقرات عسكرية بيد تنظيم “داعش” تتنازعها القوات الحكومية ومليشيات “الحشد الشعبي”.

لقد أصبح أبناء العرب السنة في مشهد مأساوي تراجيدي يكشف عن قساوة مشروع الإقصاء والتدمير الطائفي الذي تتقاسم تنفيذه كل من داعش الإرهابية وبعض جهات سياسية وميليشياوية مدعومة من سلطة الحكم والخارج.

يتزامن هذا مع عودة عمليات الخطف والقتل في العاصمة بغداد، والأخطر من ذلك هو أن هذه الحلقة الكارثية تشهد التلاعب الوحشـي القـذر بسكن وقـوت الناس النازحين والمهجرين في جبال كردستان وغيرها في أقسى الظروف المناخية، حيث الفساد يطل بمخالبه الجهنمية ينهب ويسـرق من حق الإنسان في مسكنه ومأكله المؤقت.

إن التلاعب بالإنسان العراقي أصبح ورقة محترقة رغم فعلها المكروه والمقيت بكرامة الإنسان وقيمته. لقد امتزجت اليوم لعبة السياسيين (الشيعة والسنة) بالإنسان العراقي المغلوب على أمره، متوهمين أن ذلك يشكل انتصاراً لمشاريعهم الطائفية الهزيلة، وتأميناً لمواقعهم وكراسيهم المهزوزة، وفاتتهم حقيقة إن الإنسان العراقي ومهما كانت قساوة الظروف المبرمجة ضده سيظل صامداً في وجه هذه العاصفة الصفراء وسينتصر في النهاية.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر