الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الأدب والترويج

السلطة الرسمية العربية التي عملت على تكريس هذا الفساد داخل المؤسسات الثقافية وخارجها، كان يروقها ما يحدث لأنه يحقق لها أهدافها في تهميش دور الثقافة والمثقف.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/11/13، العدد: 9737، ص(15)]

من حق أيّ كاتب أن يقوم بالترويج لأعماله، وأن يبحث عن السبل التي تؤمن لهذه الأعمال الانتشار بين القراء والمهتمين بالشأن الثقافي، دون أن يتحوّل هذا العمل إلى غاية في حدّ ذاتها، القصد منها الترويج للكاتب، والاستحواذ على الاهتمام الإعلامي والنقدي الخاص به وبمنجزه الأدبي دون النظر إلى القيمة الأدبية والفكرية لهذه الأعمال، وذلك من خلال العلاقات الشللية والمصلحية التي يمكن أن تؤمّن له ذلك.

هذه الظاهرة التي أصبحت مألوفة في الحياة الثقافية العربية خلال العقود الأخيرة، لم يكن لها أن تظهر لولا حالة الفساد الثقافي المستشري داخل المؤسسات الثقافية الرسمية، واستغلال البعض لها لخدمة أغراضه الخاصة. وسط هذا المناخ ظهرت شخصية الكاتب الفهلوي الذي يعرف كيف تدار لعبة المصالح داخل هذه المؤسسات، وكيف يمكن الجمع بين المتناقضات داخل الحياة الثقافية العربية عبر توظيف خبرته وإمكاناته للرقص على حبالها.

السلطة الرسمية العربية التي عملت على تكريس هذا الفساد داخل المؤسسات الثقافية وخارجها، كان يروقها ما يحدث،لأنه يحقق لها أهدافها في تهميش دور الثقافة والمثقف، وتحويلها عن دورها النقدي في المجتمع إلى لعبة مصالح وامتيازات ومكاسب يتسابق المثقفون إلى الحصول عليها، ما أفقد الثقافة بعدها الأخلاقي، وخلق شرخ بينها وبين المجتمع الذي اكتشف ازدواجية المثقف وتناقضه بين ما يقوله وما يفعله.

الغريب أن بعض المثقفين العرب ظنوا أن هذه اللعبة يمكن أن تستمرّ، كما هي حال كاتب روائي عربي عرف بعلاقاته الوثيقة بأحد رموز الاستبداد العربي، الذي أطاحت به انتفاضات الربيع العربي، ولذلك سرعان ما انقلب على تاريخه، وحاول ركوب موجة الانتفاضة في بلده، متخيلا أن ذاكرة الناس ضعيفة إلى الحّد الذي تتناسى فيه تاريخه، ورغد الحياة الذي عاشه بفضل الهبات المالية الكبيرة التي كان يغدقها عليه ديكتاتور بلده البائد.

لكن المثير للدهشة أكثر هو أن بعض تلك الرموز عاد إلى واجهة العمل الثقافي في أكثر من بلد من بلدان الانتفاضات العربية، وكأن هذه الانتفاضات لم تقم لإسقاط جميع أشكال الفساد والاستبداد وكل رموزه ورعاته. الأكثر استغرابا هو مواقف المثقفين الذين صمتوا عن استعادة رموز ثقافة حقبة الاستبداد لمواقعهم في صدارة المشهد الثقافي الجديد، ولم يفعلوا شيئا لمواجهة هذا الواقع، الذي ينحرف بانتفاضات الشباب العربي عن أهدافها، الأمر الذي يعكس حالة العجز والاستسلام، إن لم نقل التواطؤ، التي وصل إليها المثقف، والتي ساهمت في تغييب دور الثقافة والمثقف، وها هي تمهد لعودة الفساد إلى الحياة الثقافية من أبوابه الواسعة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر