الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

الاربعاء 26 يوليو/تموز 2017، العدد: 10703

'الاستثمار' في الطائفية إلى أين

راهن النظام العربي بقوة على الاستثمار في الطائفية، وعلى إنشاء جمهور عريض من المتوترين والمتعصبين وعتاة مصاصي الدماء ليتم إطلاقهم أحرارا في عمق الحياة المدنية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/11/14، العدد: 9738، ص(8)]

كل شيء في هذا الكون إلى تطور، لا يركن إلى سكون ولا إلى اجترار وتكرار، ومن حولنا تتابع ودوران الأرض وتعاقب الأجيال وقوانين الخلق والحياة وتجدد جسم الكائن البشري، فخلايا تموت وخلايا تخلق كل يوم وساعة ودقيقة وثانية، إلا العقل العربي في قسمه المتشبّث بالخرافة، وفي شقه الذي استمرأ تكرار الأخطاء وضياع الفرص وتبديد الثروات والغوص في أوحال اللاجدوى، والعجز عن الابتكار والتجدد فضلا عن شبه انعدام الرؤية.

العقل العربي في قسمه ما بعد الحداثي صنع شركات عابرة للقارات مهمتها تصدير الطائفية إلى الأقربين والأبعدين، ومهما جرى إنكار الظاهرة المروّعة التي نعيش فصولها منذ أكثر من عقد من الزمان، فإن الوقائع تفنّدُ كل التبريرات، فالنتائج التي صار يتلمسها الإنسان العربي في كل يوم، تثبت من دون أدنى شك حقيقة الشوك والخراب والمآسي التي خلفتها ورائها تلك (الشركات) المنتجة للطائفية والمستثمرة فيها، وهي تلقى الصمت والرضا، إن لم نقل التشجيع من طرف العديد من الحكومات العربية مادامت تلك البضاعة الطائفية أو بضاعة الشيطان تصبّ في مصلحة بقاء هذا النظام السياسي أو ذاك، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. والشركات هنا هي معنى مجازيا لذلك الالتقاء بين رأس المال والأيديولوجية التخريبية والعقول المتحجّرة الجامدة المتشبثة بأصول الرجعية والديماغوجية.

أجل، فالنظام العربي يراهن على بقاء أزلي ودوام لا ينتهي حتى لو زالت السماوات والأرض في فانتازيا وسريالية هي من أغرب ما يكون، فكل شيء يمكن أن يشيخ ويهرم إلا ذاك النظام العربي الغارق في الأوهام والخرافة، والذي لم يجد ابتكارا أفضل من إنشاء “الشركات” المنتجة للطائفية والمستثمرة فيها بشكل حصري، كما يصطلحون، فالماركة الطائفية العربية لا تنافس في إيذائها للخصوم، قتلا واغتيالا ونسفا وترويعا وتخريبا ودمارا ودماء أنهارا، ونزوحا وتشريدا، وتخريبا للمجتمعات، وتدميرا للبنى التحتية والتعليم، وانتهاكا للمرأة، وإنتاجا للنساء السبايا وملايين اليتامى والثكالى الذين ضاقت الأرض والسماء من قصص مآسيهم، وما رفّ للشركات المنتجة للطائفية جفن ولا ذرفت دمعة، فلا بنيت خيمة لمشرد، ولا آوت مسكينا، ولا ضمدت أم ثكلى.

الصدمة والترويع اللذان أطلقتهما الإدارة “البوشية” يوما ما إبان ضربها للعراق وتدميره عام 2003، تم استنساخهما عربيا بشكل أفدح وأشد فظاعة، وصار الصادمون والترويعيون مجرد تلاميذ صغار لدى الشركات العربية المنتجة للطائفية والكراهية والأحقاد التراكمية.

لقد راهن النظام العربي بقوة على الاستثمار في الطائفية، ومضى يتخبط بسكاكينه يمينا وشمالا في استهداف الأقربين والأبعدين، وإنشاء جمهور عريض من المتوترين والمتعصبين وعتاة مصاصي الدماء ليتم إطلاقهم أحرارا في عمق الحياة المدنية للمجتمعات العربية وغير العربية، وكانت بضاعة التكفير هي خير بضاعة يفاخر بها النظام العربي في قسمه ما بعد الحداثي.

ولعلك تصاب بالعجب العجاب وأنت تتلمّس وترى ذلك السلوك الفصامي العجيب، فالنظام العربي المنتج للشركات الطائفية والمستثمر بقوة فيها بإمكانه أن يبز ما بعد الحداثيين في بضاعتهم، وتراه جزءا فاعلا في الحضارة والمدنية في مظاهرها الأساسية الاستهلاكية، فهو يستورد حتى البصل وورق الكلينكس وبإمكانه أن يستوعب كل إنتاج الغرب من نتاج ما بعد الحداثة، حتى وصلنا إلى أمراء الطوائف الذين يطربون للموسيقى الكلاسيكية ويتابعون أحدث أفلام هوليوود ويقلّدون نجومها في الأزياء والمقتنيات.

واقعيا ولكي لا تلتبس الصورة، كانت الشركات المنتجة للطائفية والمستثمرة فيها ليست إلا وجها من أوجه النظام العربي وهو يصارع أزماته الداخلية والخارجية وتشبثه بالبقاء في عالم يندفع، بسرعة البرق، نحو أهدافه فيما النظام العربي يحبو متشبّثا بترهاته الطائفية متبلدا في خرافاته التي استولدت جيلا فاشلا وجد في الطائفية إنجازا عظيما، وصولا إلى ثقافة قطع الرؤوس وإبادة المجتمعات الآمنة والمسالمة عن بكرة أبيها.

والظاهر أن النظام العربي سيمضي في هذه المراهنة الفاشلة مسبقا، متشبثا ببراغماتية رديئة الشكل والمحتوى، يتقلب حائرا في تحالفاتها بعدما ساهم في الإجهاز على من حوله من خلال تصدير الطائفية والكراهية إلى الجيران الأقربين والأبعدين كمثل التخلص من النفايات الفتاكة والسامة. فهل يا ترى أمن النظام العربي من إشعاعاتها؟ وهل أن الشركات الطائفية التي أسسها ورسخها بالمال والسلاح وتسخير رجال الدين ليسكبوا عليها معاني القدسية والفرض العين حتى لا يأتيها الباطل من بينها ولا من خلفها، هل أن تلك الشركات الطائفية انتهت أدوارها بتخريب العقول والمجتمعات الأخرى، أم أن نواتها الصلبة ستنتج خرابا موضعيا في قلب ذلك النظام العربي الذي يئن ليل نهار من أزماته، ومن الهلع الذي يعتريه من مجرد تخيّل أن تنقلب هذه الصناعة الطائفية الرديئة على من صنعها؟

في عرف تأسيس الشركات وإفلاسها، يعمد المستثمرون إلى تصفيتها، لكن الشركات الوحيدة التي لا يمكن تصفيتها والتخلص من ملفاتها واستحقاقاتها الجسيمة ومخلفاتها السامة هي الشركات المستثمرة في الطائفية التي أسسها النظام العربي، فكبّدَ المجتمعات خسارات فادحة في الأرواح والدماء وبنية المجتمعات وكينونتها في أشكال همجية، ومن العدوان السافر على الغير فاتورته طويلة وبرسم النظام العربي ليدفع تكاليفها الباهظة بكل تأكيد.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر