الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

هل يحقق العبادي المصالحة الوطنية

أصبح شعار 'المصالحة' نكتة تتندر بها الأوساط السياسية الشيعية، في حين تسود سياسات الإقصاء والانفراد الحزبي بالسلطة.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/11/17، العدد: 9741، ص(9)]

يبدو أن قضية المصالحة الوطنية تعود إلى الواجهة السياسية مجدداً في ظل ظروف الانهيار الأمني وتمدد تنظيم “الدولة الإسلامية” داخل المحافظات العربية السنية، في أدق وأوضح رسالة من هذا التنظيم الإرهابي على أن قضية “مظلومية العرب السنة” في العراق يتبناها هذا التنظيم، وليس وجهاء السياسية والعشائر، وإنه تحت هذا العنوان يقتل الكثير من السياسيين وأبناء العشائر المعارضين له والمحاربين لوجوده الوحشي في العراق.

قصة المصالحة الوطنية في العراق التي تدفع الحالة الأمنية الاستثنائية طرحها اليوم على مستوى قيادات العملية السياسية، تظهر وتخبو كراية ضائعة في سراب صحراوي، عمّ العراق خلال السنوات العشر الماضية. ومنذ مؤتمر القاهرة الموؤود عام 2005 الذي كشف عن عدم جدية “القوى السياسية الشيعية”، وهي في بداية اندفاعتها القوية للاستئثار بسلطتها السياسية، معتقدة ومتوهمة بأن “البعثيين والعرب السنة يريدون استعادة السلطة عبر التسلل من خـلال مشروع المصالحة الوطنية”، حاولت تلك القوى اللعب على صنائع “سنّة العملية السياسية” مقطوعي الصلة بالقواعد الشعبية الحقيقية ونخبها السياسية والثقافية ذات الرؤى الوطنية، والتي لا تلتقي من قريب أو من بعيد بقوى الإرهاب منذ أن كانت تنتظم عسكرياً وسياسياً في صفوف مقاومة المحتل الأميركي ما بين 2003 و2011، ثم تحولها إلى معارضة سلمية لحكومة المالكي، حوصرت داخل المحافظات العربية السنية الست، لتتحول أخيرا إلى صراع طائفي في العراق يلتقي مع مشروع الحروب الطائفية في الإقليم.

لقد أصبح شعار “المصالحة” نكتة تتندر بها الأوساط السياسية الشيعية، ولتهزيئها عملت لها حكومة المالكي منذ عام 2006 هياكل وهيئات ووزارات وميزانيات باذخة، في حين تسود سياسات الإقصاء والانفراد الحزبي بالسلطة، وتغيب معايير العدالة وحقوق الإنسان، وتسلب حرية أبناء الطائفة “المظلومة” وتصادر حقوقهم الإنسانية.

بالطبع، النتائج كانت كارثية ضد أبناء هذه الطائفة، التي أنتجت ضمن خيمة الوطن، إلى جانب غيرها من الطوائف المتعايشة، خيرة العلماء والمهندسين والأطباء والقادة والضباط العسكريين، الذين توزعوا ما بين سجون الاعتقال والتغييب والتهجير. كما أنتجت تلك السياسات الظالمة الفوضى الأمنية والسياسية التي انتهت إلى صدمة الاحتلال المفاجئ لست محافظات عراقية هي العنوان السياسي لأزمة الحكم في العراق.

ومهما يقال في المشروع الأميركي الأوبامي في التعامل مع “داعش” لتمرير برنامج التصالح مع المتنفذين الجدد في المنطقة، وتحويلها إلى استراتيجية مكررة بطريقة أكثر سذاجة من استراتيجية (بوش 11 سبتمبر) التي احتل من خلالها بلدين هما (إفغانستان والعراق)، فإن ما يهم العراقيين هو أن هذه الصدمة تضع السياسيين الحاكمين أمام وقفة جدّية – خصوصاً وصول حاكم جديد – لمراجعة وطنية جدية يتجاوز من خلالها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي دوائر الطائفة والحزب إلى مساحة الوطن.

صحيح أن إجراءات العبادي إلى هذه اللحظة لم تمس حقيقة الأزمة السياسية، حيث ينشغل حالياً بترميم دائرة مسؤولياته العسكرية والمدنية، لكنه يستطيع الدخـول في المشروع الوطني الإنقاذي، وسيجد من يقف إلى جانبه من بعض الرموز السياسية غير المتاجرة والنفعية، إلى جانب جيـش كبير من الصامتين ومن المعارضين والمقاومين والبعثيين الأنقياء، والكثير من النخب الفكريـة والسياسية غير الطائفيـة، لأن هؤلاء جميعاً تم اقتلاعهم من شجرة الوطن ظلماً وحقداً وثأراً. ولما كان البلد يتعرض إلى كارثة كبرى، لا تكفي شعارات “العداء الإعلامي لـ“داعش”، بل لابدً من مدّ اليد إلى كل عراقي وطني غيور، والقيام بحملة وطنية كبرى لاستدعاء الكفاءات المهاجرة، بعد طرد هواجس التشكيك والتخوين والخوف التي تتلبس المنافقين والجهلة والمتزلفين والخائفين على مواقعهم ومصالحهم، فالدولة مركب كبير يتسع للكثير من الكفاءات.

هذه المقدمات الجديّة ضرورية لكي تجعل من مشروع “المصالحة الوطنية ذا معنى حقيقي مشجّع يستحق أن يكون برنامجاً للانقاذ، وليس عقد مؤتمرات ترتصف داخل قاعاتها ديكورات ومطرزات عشائرية وعسكرية هدفها ملء المشهد.

البرنامج هذا يحتاج إلى جرأة قائد سياسي، هو الآن العبادي، الذي وضعته الظروف الاستثنائية للبلد في موقع المسؤولية التاريخية قد يتحول من خلالها إلى قائد وطني. ومحاورهذا البرنامج المطلوب تنفيذه واضحة ومباشرة:

– الاعتراف بالآخر، الذي طورد وحورب وأقصي من وظيفته وحرم من حقوقه الوظيفية، تحت السيف السياسي المسمى “المساءلة والعدالة”، وتحويل هذا القانون الثأري إلى المراجع القضائية لأخذ حقوق المواطنين من مرتكبي التهم والجرائم.

– الدخول في حوار وطني جاد ومبرمج مع معارضي العملية السياسية الذين عبروا عن مواقفهم في الاعتصامات السلمية ثم دخلوا في النزاع المسلح ضد الحكومة واختلطت أهدافهم مع دخول “داعش” إلى العراق. والقسم الأعظم من هؤلاء كانوا في صفوف مقاومة المحتل الأميركي، وانتظموا في تشكيلات لا تقل عن عشرين تشكيلاً مسلحاً، والسيد العبادي حتما مطلع على ملفاتهم.

– استدعاء نخب الضباط السابقين القادرين على القتال، وإدخالهم في صفوف الجيش العراقي وفق عملية إعادة تأهيله وطنياً ومهنياً.

– القيام بحملة واسعة مقترنة بإجراءات وقوانين صارمة لتحريم الطائفية السياسية في البلاد، وتكريس قيمة “الوطن ملك الجميع”، وتعطيل جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الداعية إلى الفتن الطائفية.

وأخيرا، إصدار تشريعات جريئة وسريعة لإبطال نشاط “المليشيات الحزبية والطائفية” ومنع نفوذها، لكي يكون القانون هو المرجع للمواطن.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر