الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

هل تستعاد عروبة العراق ويتوحد عربه

كانت عروبة العراق الممتدة عبر التاريخ وإلى حد عام 2003 حجر عثرة أمام مشروع التفكيك والصدام الطائفي الذي تبنته دعوات الهويات الفرعية، وفي مقدمتها أحزاب الإسلام السياسي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/11/24، العدد: 9748، ص(9)]

يثار داخل الأوساط السياسية الشيعية العراقية استغراب من عدم قبول الجميع داخل العراق وخارجه، والتسليم بحقيقة، سيطرة الإسلام الشيعي على حكم العراق، بل ويرددون مقولة أن السنة حكموا لألف وأربعمئة عام، والآن الحكم للشيعة وعلى الجميع القبول بهذا الواقع. ودون الدخول في مناقشة المعطيات المنطقية والتاريخية لهذه القضية الملتبسة، إلا أن قوى الإسلام السياسي الشيعي تستفيد من تسويق مثل هذه المقولات المشوّهة لتاريخ العراق والأمة. إضافة إلى انقطاعها عن الحياة الراهنة وعصر المدنيات والديمقراطية الليبرالية ومرتكزات السلطة المدنية القائمة على ميثاق العلاقة بين النظام السياسي والشعب، لقد تم توظيف قوى الإسلام الشيعي منذ عام 2003، وفق نظرية المحاصصة الطائفية (سنة وشيعة وأكراد)، التي كانت حصيلتها تفكيك الدولة العراقية وحل مؤسساتها الوطنية وأهمها (الجيش) واستبداله بالميليشيات الطائفية، وتغييب الهوية الوطنية وتغليب الوﻻءات العرقية والطائفية، وإحلال نزعات الحقد والثأر والكراهية بدﻻ من إشاعة السلم الأهلي والمحبة وطيّ صفحات الماضي المؤلمة.

ولم تتمكن جميع المحاوﻻت الوطنية المخلصة من إيقاف مخاطر التنازع الطائفي سياسيا واجتماعيا. وبدﻻ من أن يكون الدستور ملاذاً لحل الأزمات أصبح مثيرا لها ومفجرا لدوافعها. وانحسرت الهوية العروبية للعراق مع أنها تشكل بيلوغرافيا هذا البلد، ليصبح هناك شيعي وكردي وسني، بل إن الأكراد لم يتم التعامل معهم كسنة إلى جانب العرب، وإنما حسب مرجعيتهم القومية الكردية لهدف مقصود هو زرع الفرقة بين أبناء الشعب الواحد. وقَبِل غالبية السياسيين الشيعة هذه المعادلة المختلة لكي يبتعدوا عن راية عروبة العراق بل لينكسوها من فوق المنابر العتيدة، واندفعوا إلى بناء تحالف سياسي مع الأكراد لكي يضعوا العرب السنة في موقع محجور وواهن.

وكان للإدارتين الأميركيتين، الحالية والماضية، دور مهم في تمرير هذا المشروع الخطير استجابة لأبحاث وتقارير بعض الباحثين والمستشارين اليهود الذين وصلوا في عهد بوش الأب وبوش اﻻبن إلى مواقع صناعة القرار الأميركي.

ولكي ينتقل مشروع تغييب هوية العراق العروبية إلى الواقع السياسي العراقي، سلّمت آلياته التفصيلية إلى بيئات عراقية حاضنة متحمّسة مشحونة بدوافع الحقد والثأر، حيث ربطت ما بين الشعارات القومية العربية الضيّقة، والسياسات الغبية للنظام السابق وبين المضمون الحقيقي للعروبة في العراق. وكان اﻻحتلال العسكري الأميركي للعراق 2003 هو الظرف المثالي لتحقيق هذا الهدف الهدّام من قبل أحزاب وجماعات الإسلام السياسي الشيعي والسني، وتم تقنين هذا المسعى الخطير بالدستور الذي غيّب عروبة العراق وجعل أبناءه العرب جزءا من الأمة العربية في امتهان تاريخي لم تتجرأ على فضحه النخب الفكرية والثقافية الليبرالية العراقية، والتي كانت منشغلة بوهم الحصول على جزء قليل من كعكة الحكم التي صادرها الإسلاميون الشيعة بالدرجة الأولى، وتركوا بعض الفتات للإسلاميين السنة ﻻستكمال دائرة الحكم الطائفي في العراق.

كانت عروبة العراق الممتدة عبر التاريخ إلى حد عام 2003 حجر عثرة أمام مشروع التفكيك والصدام الطائفي الذي تبنته دعوات الهويات الفرعية، وفي مقدمتها أحزاب الإسلام السياسي الطامعة بهذا البلد. ولهذا كان ﻻبد من استبعاد هذه القيمة التاريخية للعراق في العملية السياسية، وصوﻻ إلى إزاحتها من ضمائر الأجيال الجديدة.

لقد تكاتفت القوى المحلية والخارجية لتحقيق هذا الهدف، وأبرز مثال على ذلك الإسراع في تجريم واجتثاث فكر البعث في العراق، لا لجرائم سياسية اقترفها بعض مسؤولي النظام السابق بحق سياسيي الإسلام السياسي الشيعي والسني وقادة الكرد، وإنما ﻻستهداف فكرة العروبة واجتثاثها من الواقع السياسي، لما عرف عن هذا الحزب تبنيه لفكرة العروبة منذ تأسيسه عام 1947 إلى جانب التيار القومي العروبي.

من هنا يأتي إصرار القوى السياسية الشيعية في الحفاظ على منظومات تغييب عروبة العراق، وتغذيتها بالدعم السياسي والإعلامي، وترويج التقاليد المكرسة للخارطة الطائفية، وإشاعة مفاهيم مثل “دولة المكونات”، بدلاً من “دولة المواطنة” مما فتح الأبواب أمام صراعات لا متناهية بين المكونات الكبيرة (الشيعة والسنة والأكراد) وبين مكونات الأقليات الأقل حجماً (التركمان والآشوريين)، ثم الأقل صغراً (الأيزيديين والصابئة والفيلية إلخ).

أدت هذه الحالة السياسية الشاذة (تبديل الهوية) إلى مشكلات كثيرة، في مقدمتها الانقسام والتفكك وتسهيل تنفيذ مشروع “تقسيم العراق”، وكذلك إلى خلق مواجهات مفتعلة بين عرب العراق من سنة وشيعة، حتى حصلت صدمة دخول تنظيم “داعش” وتمدده في المحافظات العربية السنية في العاشر من يونيو هذا العام، ليضع جميع البرامج والمشاريع والسياسات المحلية أمام حافة الانهيار وسط حالة من الدوار السياسي. فالجميع في حالة من العجز لأن القوة الحقيقية التي دائماً ما تكون ملاذاً للأزمات (الجيش الوطني) انكشفت وتعرى بنيانها في ظل غياب الروح الوطنية. مقابل ذلك ظهرت أخيراً على مستوى النشاط الفكري والسياسي من خارج العملية السياسية مقولة (وحدة عرب العراق) كواحدة من المخارج للخلاص من النفق الطائفي المظلم، في سعي وأمل لإعادة الوضع العراقي إلى حالته الطبيعية، وهي الحاضنة العربية.

ومع تقديرنا لهذه الفكرة التي يتم الترويج لها من قبل مخلصين وطنيين، إلا أن القيادات السياسية الشيعية والسنية المرتهنة لها قد دخلت في مراحل معقدة من المشروع الطائفي من الصعب تراجعها عنه، ولا تشكل الشعارات الرسمية وزيارات المجاملة الدبلوماسية لدول الخليج والسعودية في ظل ظروف “محاربة داعش” منطلقاً جدياً يمكن الاعتماد عليه كمشروع إنقاذ وطني للوضع السياسي وعودة حقيقية للعراق إلى حضن الأمة.

فالقضية ليست صعبة فحسب، وإنما هناك مشروع واقعي مضاد وصل إلى مراحل متقدمة في عزل العراق وتغريبه عن هويته. ومع ذلك ولكي لا يكون اليأس عنوان الوطنيين العراقيين، فإن قضية “عروبة العراق” تحتاج رعاية جدّية من محيط العراق العربي (الخليج) وعلى مستويات مختلفة لدعاة هذا المشروع، وهنا ندعو إلى ضرورة عقد ندوة أو مؤتمر يتبناه أحد مراكز البحوث الرئيسية في الخليج يُدعى إليه السياسيون العراقيون (شيعة وسنة) من خارج العملية السياسية ويُحضّر إليه بشكل جيد ومثمر.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر