الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

بالقرب من ثورة 25 يناير كاشفة العورات

تفاءل صديقي الفلسطيني بالثورة، وتأكد له أن قضية بلاده سيحسمها ميدان التحرير، ثم مال إلى التشاؤم بعد صعود الإخوان، وقال: 'مصر انتهت لعشرين سنة قادمة'، وفي 30 يونيو اعتذر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/11/25، العدد: 9749، ص(8)]

خضعت ثورة 25 يناير لأشكال من التحليل السياسي والاقتصادي، مال بعضه إلى الاستسهال، فتنبأ بعضهم بالثورة بعد وقوعها، وسرد عوامل أدت إليها. إلى الآن، ونحن على مشارف الذكرى الرابعة على انطلاقها، لا تحظى الثورة باهتمام لاحق- ولائق- في بعدها الاجتماعي، بالشرائح التي خرجت في “جمعة الغضب” 28 يناير، أبناء الضواحي والأحياء الفقيرة، وقود المحطات المهمة: اقتحام السفارة الإسرائيلية 9 سبتمبر 2011، واشتباكات شارع محمد محمود 19 نوفمبر 2011، الزحف إلى قصر الرئاسة 4 ديسمبر 2012، ثم 30 يونيو 2013 وما تلاه.

لم تخضع الثورة لتحليل نفسي كاف، لقياس منسوب الأمل، صعودا وهبوطا، منذ جمعة الغضب إلى اليوم، وعلاقته بأي خروج كبير، ينادي بسقوط من كان اسمه علما، ثم أصاب الناس بخيبة أمل. سلوك يؤكد أن الشعب هو السيد، وأن الثورة شعارها “الحرية”، وعنوانها الشارع والميدان، ولا أحد يتفضل على الشعب بشيء، فالتحية المستحقة العسكرية للشهداء عقب خلع حسني مبارك لم تشفع للتجاوزات التالية، وتعالت الهتافات في ميدان التحرير منذ أبريل 2011: “دكتاتور دكتاتور.. يا طنطاوي عليك الدور”. كشفت الثورة عورة الخائفين منها، وإن ادعوا حمايتها، وفضحت الملتحقين بها تحت شعار مشاركة تخفي نية الاستئثار والقنص.

بعد نجاح الشعب في خلع مبارك، نشط بعض رعايا نظام مبارك، بحماسة مستعارة، في تدبيج كتب في “فقه الثورة”، واستعراض مقدماتها، ومدح مآثرها، ليس تكفيرا عن صمتهم وحيرتهم طوال 18 يوما كانت مرشحة لأن تطول، وإنما استباقا لنيل رضا سلطة غامضة، متعددة الأهواء، بالإبقاء عليهم في مناصبهم أو منحهم مزيدا من عطايا الثورة. وتأخرت العطايا فأصبحت الثورة مؤامرة أو انقلابا. هذا السعار دفع بالبعض إلى اليأس والاعتزال، وبآخرين إلى استنفار روح الكراهية لأي مشروع، والعمى عن التفاؤل برؤية بشائر للنور، فنشطوا في التقاط شائعات يرميها، بالعمد، هواة ومحترفون، في سلال المواقع الإلكترونية، ليتشممها من له أنف جوجول ويفرح بإعادة نشرها.

شهوة السلطة لا تليق بمن ينسب نفسه للدين، أي دين. السلطة مهلكة، والسعار يفضي إلى جرائم يختلط فيها وحل الحكم بالدم، وهي نصيحة أسديت إلى الإمام الحسين في صيغة سؤال، حين خرج ينوي الإصلاح ويخشى سقوط ضحايا، فقيل له: “أتريد الحكم وتخشى الدم؟”. درس وعاه أخوه الحسن فاكتفى بنعمة النساء، وترفع عن السلطة، رافضا دماء السياسة. وربما صمت عن ذلك عمر بن الخطاب، لما استعصى عليه أمر البصرة، فجعلها في رقبة المغيرة بن شعبة حين أراحه: “يا أمير المؤمنين لأن ترسل لهم رجلا يصلحهم ويفسد نفسه، خير من أن ترسل لهم رجلا يفسدهم ويصلح نفسه”. وتولى المغيرة أمر البصرة، وبدأ بفرض حظر التجوال، ثم تفقد المدينة، ورأى رجلا مقبلا من البادية على فرسه، فسأله: “لماذا عصيت أمري وخرجت من بيتك؟”، وأخبره الرجل بأنه لم يعرف التعليمات الجديدة: “كنت في البادية ووصلت كما ترى”. فقال ابن شعبة: “أعلم أنك بريء، ولكن في قتلك صلاح هؤلاء، اقتلوه”. كان المغيرة داهية، وقيل عنه: “لو أن مدينة لها ثمانية أبواب، لا يخرج من باب منها إلا بمكر، لخرج المغيرة من أبوابها كلها”. وبالدهاء أبرأ عمر ذمته.

يترفع علمانيون ويساريون عن رؤية خطر قائم، ثعابين لها لون الأرضيات والسجاجيد والفرش في المنازل والمؤسسات. يتعاملون مع الحالة السياسية الملتهبة بالشوكة والسكين، من وراء زجاج نظريات خارج السياق المصري، ويتهمون الشعب بالغفلة ويهينون ذكاءه، ويتساءلون: كيف لشعب أنجز 25 يناير أن “يعبد البيادة”؟ في إشارة إلى التفاف الشعب حول الجيش بعد 3 يوليو 2013 حين عزل محمد مرسي استجابة للإرادة الشعبية.

ولم يكن الجيش ليصبح له دور، لو استجاب مرسي لإرادة الشعب التي رضخ لها مبارك. والفرق بينهما أن الثاني ليس له ميليشيا، والأول هدد حلفاؤه وجماعته بإبادة الخارجين في 30 يونيو. الثاني وعى أنه وحيد، خذله حلفاؤه واختفى حزبه بعد موقعة الجمل، والأول لا يعي الفرق بين “الشعب” و”الجماعة”، وينطلق من فقه ابن تيمية ويهدر سياقه التاريخي الخاص بدار الحرب ودار الإسلام، ولكنه يحتمي بجيش من الجهلاء بمعنى “الدولة”.

ميزة 25 يناير أن الشعب أكثر وعيا من النخبة، من الأوصياء. لم يرفض الشعب أن يدير المجلس الأعلى للقوات المسلحة، “مجلس طنطاوي”، شؤون البلاد. كان التكليف من رئيس مخلوع قرارا غير دستوري وغير ثوري، ولكن الشعب رضي، وسرعان ما أفاق على التحالف العسكري الإسلامجي، فعجل بذهاب طنطاوي في انتخابات رئاسية رضي الشعب بنتيجتها المعلنة، ثم انتفض بعد الإعلان غير الدستوري (21 نوفمبر 2012). الشعب واع ولا يؤمن بوصي على ثورته ومستقبله.

تفاءل صديقي الفلسطيني بالثورة، وتأكد له أن قضية بلاده سيحسمها ميدان التحرير، ثم مال إلى التشاؤم بعد صعود الإخوان، وقال لي: “مصر انتهت لعشرين سنة قادمة، على الأقل”، وفي 30 يونيو اعتذر. أما الذين انتقدهم لينين، وتمنى لهم الشفاء من “مرض اليسارية الطفولي” فيواصلون استخفافهم بما أعلنـه التكفيريون قبل 30 يونيو. القتلة لا يعرفون السخرية، وتخاصمهم روح الدعابة، يعنون ما يقولون، ويتحدثون باسم رب الدم الذي جعل من دماء الأبرياء نهرا يحمل سفنهم إلى الجنة. كانت البلاد مرشحة لحرب أهلية تأكل جيلا على الأقل، وكأن حرب أهلية واحدة لا تكفي.

عن الحرب الأهلية في لبنان يسجل ميشائيل كليبرج في كتابه “الحيوان الباكي” كيف طبعت نيران الحرب خريطة على الروح: “كانت نوعا من التلذذ والانتشاء بالدماء، نشوة استمرت خمسة عشر عاما، احتياج جماهيري لإشباع أقصى درجات الوحشية، حفلة قتل جماعي زالت فيها كل الكوابح البشرية، حفلة لم يتحكم فيها الوعي، وفي الصباح يستيقظ كافة المشاركين وفي الرأس صداع فظيع من السكر، وبرعب ينظرون بعيون حمراء إلى ما اقترفته أيديهم، دون أن يفهموا فعلا: كيف وصلت الأمور إلى ما هي عليه؟ دون أن يفهموا: متى فقدوا رشدهم أثناء الليل، ولماذا عاد إليهم الآن”.

في الكتاب الذي ترجمه سمير جريس يقول عباس بيضون: “إن الحرب الأهلية هي التي جعلت مسلمين ويساريين يدافعون عن الدولة اللبنانية كقيمة ينبغي حمايتها”.في الحالة المصرية أرى ضرورة إعادة قراءة هذا الكتاب الآن.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر