الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

ساكن قرطاج الجديد والتركة 'المرزوقية' الثقيلة

ساكن قرطاج الجديد سيعمل لمدة غير وجيزة على ترتيب وإصلاح التركة الدبلوماسية الثقيلة للسيد المرزوقي، وسيفردُ خلايا طوارئ بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2014/11/26، العدد: 9750، ص(6)]

فرضت القضايا الإقليمية والدولية نفسها بقوة في استحقاقات الانتخابات الرئاسية التونسية، وصارت عنوانا أساسيا ومحورا مفصليا في مستقبل تونس ما بعد السباق إلى قرطاج.

اللافت للنظر في هذا السياق كامن في أنّ القضايا الإقليمية الكبرى على شاكلة المعضلة السورية، أو الفاجعة الليبية صارت مشاكل “خارجية/ محليّة” تونسية صرفة، لا فقط لأنّ الارتباط الإقليمي يقوم -أساسا- على الجوار الجغرافي والرابطة اللغوية والثقافية ووحدة المصير، بل لأنّ تونس “الترويكا” تورطّت في قضايا داخليّة، وانحازت إلى أطراف محليّة ضدّ أخرى، وحرّضت ضدّ دول وحكومات وجيوش، وباتت “عرّاب” مشاريع الفوضى في المنطقة العربية.

والناظر في جغرافيا الدم في المنطقة العربية يتراءى له “الوحدة التكفيرية” و”الرابطة السلفية الجهادية” في العراق وسوريا وليبيا والجزائر، وحتى مالي والنيجر، والمتمثلة أساسا في “المكوّن التكفيري” التونسي الذي بات رأس حربة في “الجهادية الأممية”.

“الخزان التونسي الدموي التدميري” العابر للأقطار العربية والإسلامية فرض نفسه بقوة في الرؤى الانتخابية للمتسابقين في الاستحقاق الرئاسي -إلا لدى السيد المنصف المرزوقي الذي لم يقتنع بعد بكارثية دبلوماسيته خلال السنوات العجاف الثلاث- وبات ورشات عمل انتخابية للمترشحين.

إلا أنّ المفارقة المثيرة متمثلة في تقاطع كافّة المترشحين على ضرورة مراجعة الدور الدبلوماسي التخريبي للترويكا عامة، والسيّد المرزوقي خاصة من زاوية حتمية الانسحاب من العواصم المشتعلة، و”الثورة” الناعمة على الأداء التآمري لـ”الترويكا”.

بمعنى أن ساكن قرطاج الجديد سيعمل لمدة غير وجيزة على ترتيب وإصلاح التركة الدبلوماسية الثقيلة للسيد المرزوقي، وسيفردُ خلايا طوارئ بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء لإرجاع العلاقات بين تونس والعواصم العربية الأخرى إلى ما قبل ولاية “المرزوقي”. وهو أمر يبلغ درجة “الجريمة الدبلوماسية” في حقّ القوة الرمزية الخارجية لتونس، فأن تستنزف “شرعيّة” الثورة السلمية التونسية في مشاريع “العثمنة” و”القطرنة” و”الأخونة” في أرض العرب جريمة سياسية وتاريخية، وأن توهب ثمرات الثورة التونسية من حريّة فكر ورأي وتنقّل وسفر على شكل تأشيرات رئاسية لتأجيج المحرقة الشامية والليبية فهذه كارثة، وأن يترك المرزوقي وراءه ثلاث سنوات من القطيعة الرسمية مع دمشق، ومن الجفاء الدبلوماسي مع القاهرة، ومن النأي السياسي مع كافّة عواصم الخليج العربي -باستثناء الدوحة-، ومن التجافي مع الحكومة الشرعية الليبية ومجلس النواب المنتخب، ومن “التكدّر” مع الجزائر وحتّى مع موسكو لهي خطيئة تاريخية وأخلاقية وسياسية وتاريخية وأنثروبولوجية وجغرافية تقتضي محاسبته ومحاسبة التوافق الثلاثي الذي أتى به رئيسا لتونس ما بعد 14 جانفي.

الإشكال الحقيقي في كلّ ما سبق كامن في أنّ ترتيب “التركة المرزوقيّة” الثقيلة لابدّ أن يسير بتواز دقيق مع مواجهة التحديات الإستراتيجية الكبرى في دول الجوار، والتي تبدأ من مشكلة إمارة “درنة” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي في شرق ليبيا، والتي تتغذى لا فقط من “الدولة الفاشلة” في ليبيا، وإنّما من المؤسسات شبه الرسمية التي تواليها الفكر والمقاربة والمشروع وتشرّع لها جرائمها في البلاد، ولا تنتهي عند المناطق الحدودية بين تونس والجزائر التي تمثّل للمنظمات الإٍرهابية شرايين “دماء ودمار” حيث يمدّها التهريب بمقوّمات الديمومة والاستمرار، وتمدّها خصاصة وفقر وحرمان تلك الأماكن بمقدرات الانتشار في عقول “البائسين” في الأرض.

من الضروريّ والحتمي تمثّل ولاية السيد المرزوقي الرئاسية كحالة شاذة واستثنائيّة في سياق تاريخي وثقافي لتونس، الدولة والدور.

ومن الجميل أيضا، تنزيل الحقبة المرزوقية في سياق حالة الردة والرداءة والارتداد التي ضربت تونس خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهي مرحلة “لا تذكر” في تاريخ وحاضر ومستقبل البلاد… لا فقط لأنّها قرينة مرحلة الفوضى والارتجال التي حلت بتونس خاصة وبالمنطقة العربية عامة، ولكن لأن كل جهود الحكومة والرئاسة القادمتين -الشرعيتين والشعبيتين- ستعمل على تصفية التركة الثقيلة والمضنية للمرزوقي… وقد لا تكفي السنوات الخمس للولاية الرئاسية من إعادة الأمور إلى نصابها، ومن “عودة” روح الإخاء والصداقة والعلاقات المحترمة بين تونس والعواصم العربية الشقيقة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر