الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

جدل الروائي والمؤرخ

الروائي والمؤرخ يعكس صراعا على الحقيقة ومن يمثلها حيث ينتدب الروائي نفسه لممارسة دور المؤرخ الأمين على الماضي والحقيقة على عكس المؤرخ الذي ساهم في تزوير وقائعه.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/11/27، العدد: 9751، ص(15)]

اتخذت الرواية العربية من التاريخ فضاء لها، فاستحدث لها النقاد العرب تسمية الرواية التاريخية، لكن بعض الروائيين العرب رفض تلك التسمية، باعتبارها تحمل دلالة ملتبسة، خاصة مع غياب معيار محدد يمكن على أساسه تحديد المجال الزمني لأحداث الرواية، الذي يجعلنا نميز بين الرواية التاريخية وغير التاريخية.

لم يتوقف هذا الجدل حتى الآن، لأن كثيرا من التجارب الروائية العربية الحديثة لا تزال مشغولة بالماضي وأحداثه، لدواعي مختلفة منها ما يتعلق بالبحث في الماضي عن العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية التي شكلت ركائز أساسية للاستبداد والتخلف والقهر، في حين أن البعض الآخر انطلق من رغبة في تصحيح كتابة التاريخ الذي طالما كتب من وجهة نظر السلطة الحاكمة فكان تاريخ السلطان، ما جعل المؤرخ يلعب دور المزور لحقائق التاريخ.

فئة ثالثة من أصحاب الأيديولوجيات اليسارية ترى أن المؤرخين قد خلدوا تاريخ السلطان، وتجاهلوا دور الفئات الشعبية في صنع هذا التاريخ، الذي كانوا أدوات الفعل الحقيقي له، ولذلك لا بد من إعادة كتابة وقائعه وأحداثه من جديد، بغية استعادة التاريخ الحقيقي، من خلال كتابة أدوار هذه الفئات الشعبية المهمشة لكي تستعيد حضورها فيه.

هذا التنازع على ملكية التاريخ وفهمه وحقائقه بين الروائي والمؤرخ، صراع ثقافي- سياسي بين ثقافة الاستبداد وثقافة الحرية، حيث السلطة في الأولى ومن خلال الترهيب أو الترغيب تصنع الثقافة، التي تمجّدها وتكرِّس عظمتها، باعتبارها صانعة التاريخ ومحوره.

لكن هذا الصراع بين الروائي والمؤرخ يعكس صراعا على الحقيقة ومن يمثلها، حيث ينتدب الروائي نفسه لممارسة دور المؤرخ الأمين على الماضي والحقيقة، على عكس المؤرخ الذي ساهم في تزوير وقائعه، فهل ثمة واقعية في هذا الفرز. بعض الروائيين العرب ممن اتخذوا من التاريخ فضاء لأعمالهم كانوا من بطانة السلطان العربي الراهن، أو مستفيدين من فساده، كما هوحال المؤرخ المتهم بذلك، فمن سيصحح صورة المشهد إذن، ويعيد للحقائق ألقها وواقعيتها، في زمن اختلطت فيه الألوان والمواقف، وأصبح المثقف بارعا في ارتداء الأقنعة، وقول ما لا يفعله.

فإذا كان هذا ما يحدث الآن وهنا، فكيف كان الحال عليه في الماضي. أسئلة كثيرة تطرحها الثقافة العربية حول ماضيها وراهنها، وتحتاج إلى وقفة موضوعية صادقة، لكن الصراع المحتدم في واقعنا العربي الراهن يزيد من تعقيد المشهد، ويعيد خلط الأوراق فمن يكتب التاريخ إذن، ومن الذي سيكون مخلصا أكثر للحقيقة قبل أيّ شيء آخر ؟

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر