الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

القبيلة والدولة من يقود من

إنها أنساق اجتماعية تضرب البنية العميقة للدولة، أنساق تتخذ لنفسها مسارات خاصة لا تتناسب مع اتجاه الدولة ودورها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/11/28، العدد: 9752، ص(9)]

ترى في أي اتجاه تسير الدولة في اللحظة الراهنة، لحظة القلق الإنساني والتوتر والترقب والتحسب من شكل الغد؟ وإلى أين يسير مستقبل الأفراد والجماعات في ظل أزمات تتفاوت في قوتها ووطأتها، ذلك أن تلك الأزمات أصبحت جزءا من نظام عالمي شامل: أساطيل الإمبراطوريات مثلا تمخر عباب البحار العربية أو المحيطة بديار العرب سواء شاءوا أم أبوا، ويتم زج العالم العربي عنوة في صراعات مراكز القوى وأطماع الإمبراطوريات وريثة الإمبراطوريات البائدة.

وفي الأزمنة الحديثة وفي ظل هذه الأزمات المستحكمة لابد من انصهار الفرد والجماعة في الدولة في إطار بديهية لا خلاف عليها، أثبتتها الوقائع والتجارب أن لا سبيل للخروج من مأزق إدارة الدولة والوقوع في الأخطاء الكارثية في بنيانها وإدارتها من دون ذوبان الجميع في الدولة والخضوع الكامل لقوانين المساواة والعدالة الاجتماعية.

فالدولة محاطة بأزمات من الخارج ومن الداخل على السواء، لكن أزمات الخارج التي يجري تصديرها تتطلب أكثر من أي وقت مضى ترصين الداخل وإنضاجه والارتقاء به إلى مستوى التحدي وإدراك عظم المسؤولية.

ولعل العلامة الفارقة لتلك الأدوار المغيبة للأفراد إنما تكمن في إشراك الفرد في صناعة القرار بشكل تام ومباشر، وساعتها تصبح جميع الأزمات قابلة لأن يجري التعامل معها بهذه الطريقة أو تلك بشكل جمعي لا تبقى فيه الدولة أسيرة حساباتها واجتهاداتها التي أحيانا تفتقد النظرة الموضوعية طويلة الأمد.

لكن واقع الحال يقول أن الدولة- القبيلة في العرف العربي ظلت تتعامل مع الفرد على أنه كائن غير راشد، أو ربما ناقص العقل والوعي والإرادة، أو أن الشعب برمته منقسم إلى قسمين؛ فهو إما غوغاء أو مشروع غوغاء، ولهذا لا بد من الإكثار من إعداد حاملي الهراوات وتوسيع السجون لاستيعاب مزيد من النزقين والخارجين على القانون.

الدولة- القبيلة أوجدت توصيفا للدولة وتوزيع مناصبها غنائم على القبيلة وأفرادها وأبناء العمومة والأخوال والأعمام والأصهار والأقرباء، ثم تأتي الذيول والفلول والناعقين مع كل ناعق.

هذا الاستمراء في ثبات أركان الدولة لكونها في أيدي الأمناء والرقباء والحريصين على قبيلتهم وبقائها حاكمة حتى قيام الساعة، أوجد واقعا موازيا يتعلق بالفرد الحائر، التائه وسط دوامات الأسئلة عن حياته ومصيره ومستقبله، حتى وصلنا إلى الفرد المستسلم للواقع المحيط به منخرطا هو الآخر في سياق قبيلة تحميه.

لقد صرنا، مثلا، نشهد فيما يخص الحالة العراقية أن حادث تصادم بسيط بين سيارتين في عرض الطريق، يتطلب فورا الاتصال بالقبيلة لغرض عقد جلسة عشائرية بين عشيرتي سائقي السيارتين المتصادمتين، ولينسحب الأمر على أي شجار أو خلاف حيث يمكن للفرد المحتمي بجناح قبيلته أن يرفع الأمر إلى الحاكم (شيخ القبيلة) ليقرر ما هو مناسب لإنصاف الفرد صاحب الشكوى.

هذا مثال بسيط من أمثلة تجدها في أغلب الساحات العربية ولكن في صيغ أخرى في ظل انهزام الدولة وتقهقر قوانينها وعجزها عن إنفاذ القانون على الجميع، إذ تتسع المسألة إلى أنساق الحكم برمتها، فالقبيلة بإمكانها أن توفر صلاحيات غير محدودة لفرد أو أكثر من أفرادها وتصبح أعلى من الدولة ذاتها ومن كل قوانينها، وقيل إن القانون ما هو إلا بضعة سطور سطرناها ويمكن أن نمحوها أو نمحو بعضها متى شئنا ذلك.

نعم القانون هنا لزوم ما يلزم من (بريستيج) الدولة أمام العالم بأنّ عندها حكومة وعلما وزعامات ودستورا، أما على أرض الواقع فالقبيلة الأقوى هي الضامن لأفرادها وهي الناطق مسموع الصوت أمام الدولة والحكم، ويجب على الدولة أن تحسب حسابا لها ولقوانينها.

نعم فالقبيلة تصنع قوانينها وتحالفاتها واقتصادياتها ومداخيلها وهي تتقوى بأبنائها الذين احتلوا مواقع المسؤولية، ووصلوا إلى مناصب رفيعة لكي تتقوى القبيلة بهم وبصلاحياتها في إعطاء القبيلة الأولوية.

إنها أنساق اجتماعية تضرب البنية العميقة للدولة، أنساق تتخذ لنفسها مسارات خاصة لا تتناسب مع اتجاه الدولة ودورها، لاسيما وأن الدولة بسبب النظرة التقليدية هي دولة قبائل لا دولة أفراد متساوين في الحقوق والواحبات، والفرد رقم مهمل ما لم تذد عنه القبيلة وتدافع عنه.

دولة القبائل هي الدولة الحقيقية التي تكمن في باطن الدولة وهيئتها الشكلية التي تظهر للإعلام وبذلك صنعت الدولة مراكز قوى تشل حركتها وتبقيها نمطا تلصيقيا من أنظمة الحكم تكمن ديمومته بدوام مراكز القوى القبلية التي لا تكترث لشكل وبناء وهياكل الدولة المدنية المتطورة.

فدولة القبيلة تكسو نفسها بما بعد الحداثة من أنظمة الحكم، ولكنها في الحقيقة لا تتعدى شكل ومحتوى القبائلية التقليدية، نتاج البداوة وأشكال التجمعات البشرية القائمة على أساس العرق والنسل والدم المشترك، وماعدا ذلك فهو مجرد زهو سلطوي وتمتع بالنظام الريعي الذي منح الدولة القبائلية قوة على قوتها.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر