الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

حيلة معاوية وعمرو هذا كل ما في الأمر

ما الذي يغري هؤلاء الذين يعيشون معنا بقلوب تهفو إلى عام 37 هجرية؟ يمكن لأي خائف على دينه أو دولته أو حياته أن يمد الخيط لآخره.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/11/30، العدد: 9754، ص(6)]

تطلق جملة «إعادة المادّة» أو «إعادة السنة»، على إخفاق ما، فشل، رسوب في تجاوز اختبار مادة دراسية، أو عدة مواد توجب على صاحبها أن «يعيد السنة»، أن يبدأ مرة أخرى، ويجتهد لكي ينجح وينتقل إلى السنة الدراسية التالية. وللنجاح شروط، تبدأ بالقلق من أسباب أدت إلى الفشل الأول، وأضاعت على صاحبها عاما دراسيا، وأجبرته أن «يعيد السنة». فما الذي يدعو فصيلا بليدا مطمئنا لا يمارس فضيلة القلق، إلى مسخرة «إعادة مشهد» مضى عليه 1399 عاما؟ فتنة احتال بها عمرو بن العاص، ولقيت هوى في نفس معاوية، احتيال سياسي تسرب إلى الدين فسمّم الأنفس، وتوارثته الأجيال.

وبدلا من دراسة السياق الخاص بتلك الفتنة، سعى التكفيريون في مصر إلى إعادة مشهد رفع المصاحف، يوم الجمعة 28 نوفمبر2014، وفي شهر رفعت فيه «مصاحف صفين»، صفر 37 هجرية، وهم يعلمون أن دما سيراق لا محالة، بأيدي شرطة تداوي جراح هزيمتها في 28 يناير2011 بارتكاب القتل، أو مهووسين بما يظنونه دينا، يجهلون حرمة الدم، وقداسة الإنسان، التي يهون إلى جوارها هدم الكعبة.

جمعة «انتفاضة الشباب المسلم»، 28 نوفمبر 2014، فضحت المسكوت عنه، إقصاء يمارسه الضعيف، فماذا سيفعل لو تمكّن من رقابنا؟ في اعتصامات الإخوان ومظاهراتهم نصحوا برفع علم مصر، وترديد كلمتي «25 يناير»، كان قناعا أخفى الروح العنصرية مؤقتا، وحين دعت «الجبهة السلفية» التكفيرية إلى رفع المصاحف تحالفوا معها، وباركوا عملها، وأعلنوا معا: «نهاية السلمية»، وبداية استعادة الحكم بالثورة المسلحة، وفي هذا اتساق مع تأييد مناصرين للإخوان لداعش، وحمل بعض مسيرات الإخوان أعلام داعش والقاعدة.

هي فلسلفية التقية، ففي نهاية 2011، أصدرت «الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح» فتوى بعدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية، ولكن مفتي الإخوان عبدالرحمن البر صمت ولم يتضامن مع ما ذهبت إليه هيئة تضم ذوي ميول تكفيرية: محمد عبدالمقصود وخيرت الشاطر ومحمد حسين يعقوب ومحمد حسان وياسر برهامي. وحين وصل محمد مرسي إلى الكرسي كان لمفتي الإخوان رأي آخر، عنصري تجاه المختلف في الدين، والمختلف في المذهب، وغير الإخواني.

مسخرة إعادة إنتاج واقعة التحكيم شاركت فيها الحكومة والإسلام الرسمي والإسلام السلفي وإسلامجية تكفيريون لم يمنحهم الله خيالا جديدا، فاستنسخوا مأساة التحكيم، غير واعين بأن النسخة غير المنقحة تثير الرثاء، وتؤكد أنهم خارج العصر.

في مواجهة فتنة المصاحف، كان على حكومة جاءت بعد ثورة أن ترفع شعار ثورة 25 يناير: «الحرية»، أن تحتكم إلى القانون الذي هو دين أي «دولة»، في مواجهة أي خارج على القانون، من دون تخوين وطني ولا تكفير ديني.

ولكن الخيال القاصر انتهى بالحكومة، فضلا عن حالة الاستنفار غير المبررة، إلى الاستعانة بهوس ديني مضاد، لا يبدأ بالأزهر ووزارة الأوقاف ولا ينتهي بأحزاب دينية كانت ظلا للإخوان. قال الدكتور يونس مخيون رئيس «حزب النور» السلفي في مؤتمر بمدينة المنيا: «الداعون لحمل المصاحف يوم 28 نوفمبر.. خوارج»، وشارك في المزايدة السلفي ياسر برهامي، فأفتى: «من يحمل المصحف في مظاهرات الجمعة.. مرتد”.

يربي الحكم فصائل إسلامجية لاستخدامهم، حين يريد، في مواجهة فصائل إسلامجية أخرى، وهذا أخطر ما يصيب مشروع «الدولة» فاقدة الذاكرة، فبالأمس شارك برهامي في كتابة الدستور الإخواني الطائفي (2012)، ثم تفاخر في حديث مسجل بأنه خدع أعضاء اللجنة، ومرر المادة 219 العنصرية الطائفية، وضحك بثقة المحتالين قائلا إن «العلمانيين مش فاهمين قوي، ولا النصارى فاهمين»، برهامي نفسه أفتى بالصوت والصورة، بضرورة أن يكره المسلم زوجته الكتابية، لأنه «مأمور بأن يبغضها على دينها مع بقائه في معاشرتها… يعاشرها من أجل جسدها فقط ولا يحبها… يقول لها إنه يبغض دينها بلا شك… يبغضها من أجل أنها كافرة… لو دخل البيت لا يبدأها بالسلام”.

يمكن أن نتخيل فتاوى أخرى، لهؤلاء أنفسهم، تأييدا لحملة المصاحف، وانخراطا في «انتفاضة الشباب المسلم»، في مواجهة «المجتمع الكافر»، بنص كلام سيد قطب في «اجتهاداته» الأخيرة.

قال سيد قطب، في مرحلته الليبرالية في كتابه «كتب وشخصيات» إن معاوية سيطرت عليه روح مكيافيلي، وإن صعوده أكبر كارثة دهمت روح الإسلام: «ما كانت خديعة المصاحف ولا سواها خديعة خير… وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم لا يملك عليّ أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل. فلا عجب، ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح». في تلك الفترة كان العقل النقدي لسيد قطب يمنحه الشجاعة للسخرية من حسن البنا، ويراه طبعة منقحة قليلا، من «الحسن الصباح”.

لم يغادر التكفيريون إطار الفتنة الكبرى، وإن صمتوا عن بعض فصولها، مثل احتيال عمرو بن العاص على الإمام علي. يسجل أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري في «الأخبار الطوال» أن عمرا دعا الإمام إلى المبارزة: «تطاعنا، فلم يصنعا شيئا، فانتضى عليّ سيفه فحمل عليه، فلما أراد أن يجلله رمى بنفسه عن فرسه، ورفع إحدى رجليه، فبدت عورته، فصرف عليّ وجهه، وتركه، وانصرف عمرو إلى معاوية، فقال له معاوية: احمد الله وسوداء إستك يا عمرو»، إذ كاد يقتل لولا احتماؤه بكشف مؤخرته. حيلة داهية يعرف جيدا ما يتمتع به الإمام عليّ من حياء.

ما الذي يغري هؤلاء الذين يعيشون معنا بقلوب تهفو إلى عام 37 هجرية؟ يمكن لأي خائف على دينه أو دولته أو حياته أن يمد الخيط لآخره، ليتخيل هذه النهاية الدرامية التي يسجلها الدينوري: «وكان أهل العراق وأهل الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر، فلا يعرض أحد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم، فيخرجونهم من المعركة، ويدفنونهم”.

هل أبطل المصريون حيلة عمرو ومعاوية؟ ربما إلى حين.

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر