الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

أم الكوارث في العراق

من يريد الانتصار على 'داعش' عليه الانتصار على الفساد الذي أنتج تردي الخدمات الإنسانية، وأن يواجه 'الكارثة الصحية' التي تسود البلد بحملة وطنية كبرى.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/12/01، العدد: 9755، ص(9)]

حقا يمكن أن يطلق على العراق بأنه بلد الكوارث المصنوعة بفعل حكامه وساسته، فلا تفتح ملفا من ملفات الحياة السياسية والاجتماعية والصحية إلا وتفاجئك الأرقام المفزعة منذ الاحتلال العسكري الأميركي في 2003 وإلى حد اليوم. ففي كل يوم يزيد رصيد العراق ويتقدم في الدرجات العليا من الفساد والإرهاب والفقر والتلوث البيئي ونتائجه الخطيرة في الأمراض السرطانية الناتجة عن اليورانيوم الحربي، وفي نقص الخدمات الصحية والتعليمية والمدنية بشكل جعل هذا البلد الذي كان مقدرا له أن يغادر بلدان العالم الثالث إلى مصاف البلدان المدنية، يتحول إلى بلد مريض تعصف به الكوارث وليست الأزمات، إلى درجة جعل البعض يطلق أحكاما تشاؤمية بأنه لن ينهض من جديد بسبب سياسييه وأنصافهم.

قد يتعذر على كاتب سطور سياسية أن يعرض الأرقام المفزعة في الصحة والتعليم والخدمات، في حين تقابلها أرقام مذهلة في إيرادات الخزينة العراقية حيث بلغت عام 2014 (120 مليار دولار)، وإلى حد اللحظة لم تتوفر فرصة الحساب أمام العراقيين، لأن غالبية طواقم السياسة منتفعون، وكل طرف يغطي على الطرف الآخر، والخاسر الجريح هو الشعب.

قد يقول البعض ومن بينهم قادة العملية السياسية بأن الظرف الحالي هو الحرب على “داعش” ولا صوت يعلو على صوت البندقية، ولكن الرد على هذه الدعوى بسيط، لأن هذا التنظيم الإرهابي لم يخترق الصفوف المتراصة ولم يقفز من فوق الأسيجة الحديدية الصلبة، إنه اكتشف الضعف والانهيار المعنوي في الساتر الأمامي لمنتسبي القوات المسلحة في الموصل، وبعدها تكريت والأنبار نتيجة الحرمان ونقص الخدمات لهم ولعائلاتهم، ولأن الجندي لم يسند ظهره ليصمد، ولم يثق في المستقبل، ومن يريد الانتصار على “داعش” عليه الانتصار على الفساد الذي أنتج تردي الخدمات الإنسانية، وأن يواجه “الكارثة الصحية” التي تسود البلد بحملة وطنية كبرى، فداعش خلفها شبهات كثيرة في المنشأ والدوافع والأسباب.

فالقطاع الخطير الذي يجب أن تدّق حوله جميع الأجراس والذي يتم التعتيم حوله من قبل وسائل الإعلام العراقية هو الكارثة الصحية التي حولت العراق إلى حقل للموت والدمار، وهي جريمة دمار شامل المشاركون فيه كثر كبار وصغار، محليون وإقليميون ودوليون، كل حسب مستوى تورطه في الجريمة وجسامتها، ومن مصلحة هؤلاء جميعا التعتيم على حجم الكارثة. أول المتورطين هي قوات الاحتلال الأميركي التي قامت بتدمير المرافق الصحية ومنشآت المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتشجيع عمليات السلب والنهب للمنشآت الصحية والمستشفيات الكبيرة، وكذلك قوى ومنظمات محلية وميليشيات وعصابات مدفوعة من جهات معادية نظمت حملات الاغتيال لأكثر من 2000 طبيب اختصاص، واضطرار أكثر من 70 بالمئة من الأطباء إلى الهجرة الإجبارية.

والآن لا يوجد في العاصمة بغداد طبيب تخدير واحد حسب تصريحات رئيس البرلمان العراقي أخيرا. القائمة مفزعة وكبيرة في النتائج الكارثية لعدد الضحايا المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء الذين قضوا بسبب الحروب منذ عام 1991 والاحتلال عام 2003 إلى حد اليوم، كما أدت مواجهة “داعش” إلى أن من مليون ونصف المليون نازح يعيشون أسوأ الحـالات الإنسانية، والمرشحون للموت السريع والبطيء أكبر بكثير.

جميع المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة أشارت إلى أن العراق “بلد موبوء وغالبية أطفاله تعصف بهم الأمراض الخطيرة بسبب نقص الدواء والغذاء”، وتطالب هذه المنظمات بتخصيصات مالية للعون والمساعدة حيث وضعت مشردي العراق إلى جانب السوريين والصوماليين والفلسطينيين في حين تصل واردات الخزينة العراقية إلى (120 مليار دولار) سنويا. ولا يقبل أي مسؤول حكومي عراقي من رئيس الوزراء إلى أصغر مسؤول أن يتشجع ويعلن عن مصير هذه المليارات، ولا يريد أن يقول أحد أين ذهبت تخصيصات الكهرباء خلال العشر سنوات الماضية ومقدارها (27 مليار دولار) وهل هناك لجان تحقيقية تشكلت لجرائم النهب في هذا القطاع الذي يشكل القاعدة الأولى لحركة الحياة التنموية والبشرية. الجميع يتحدث عن الفساد، ثم يأتي وزير المالية في الحكومة الجديدة (وزير الخارجية السابق زيباري) قبل أيام ليعلن بأنه يقترح أن تكون نسبة 50 بالمئة من ميزانية عام 2015 مخصصة للمجهود الحربي ضد “داعش” ولا تنسى الميزانية حصة الأكراد 17 بالمئة ليقولوا غدا (لا توجد تخصيصات مهمة للصحة والتعليم) لأن الميزانية هي رواتب لجيش الموظفين العاطلين وللحرب ضد الإرهاب وللأكراد، مع أن الأرقام تقول إن الصحة قد انخفضت مخصصاتها إلى 3 بالمئة من الميزانية..

للأسف الشديد، سياسيو العراق في عالم آخر عما يتعرض له العراقيون من كارثة صحية كبرى، وإذا أراد رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي النجاح في مهمته- وهذا ما يتمناه كل وطني محب للعراق- فعليه مواجهة صدمة الكارثة الحقيقية في العراق في القطاع الصحي لأنها “أم الكوارث” وأن تكون حكومته فعلا حكومة طوارئ لا فقط في ميدان الحرب على داعش رغم أولوياتها، وإنما في جميع مرافق الحكومة وفي مقدمتها قطاع الصحة.

سياسيو العراق محتاجون إلى قراءة دروس الشعوب -إن كانوا يقرأون- ومن بينها الشعب الياباني الذي انتفض من رماد القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناكازاكي عام 1945 مهزوما مستسلما للأميركان وحلفائهم، في معجزة تتحدى الكارثة الإنسانية وكوارث الطبيعة وندرة الأرض، حيث كان الاعتماد على الإنسان وطاقة التعليم الوطنية التي غرست بين أبناء ذلك البلد ليصنع معجزة التقدم والبناء بسنوات قليلة اعتمادا على معادلة الإدارة النزيهة والإنسان المتعلم، حيث لم تكن هناك أموال لتسرق، أو طوائف تعتمد كأوراق للعب بمصير الشعوب. كانت هناك النزاهة لدى قيادات الدولة والعمل، فأين ساسة العراق من كل ذلك؟

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر