الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

العمل الثقافي العربي

المثقف العربي فقد استقلاليته وموقفه المعبّر عن إرادة واعية وحرة، عندما تحوّل إلى جزء من منظومة النظام السياسية، التي تعمل وفق حسابات ومصالح هذا النظام.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/12/08، العدد: 9762، ص(15)]

في ظل حالة الانهيار السياسي العربي الراهن يبدو أن الحديث عن العمل الثقافي العربي نوع من الفنتازيا نظرا لغياب الشروط الموضوعية التي يتطلبها تحقق مثل هذا العمل، وفي مقدمتها توفر الحدّ الأدنى من التوافق السياسي بين أنظمة اعتادت على تغليب مصالحها الضيقة على حساب المصلحة القومية، ما أوصل كل المشاريع المقترحة أو التي تمّ الاتفاق عليها إلى الضياع والتلاشي، ولعل المآل الذي انتهت إليه المنظمة العربية للثقافة والعلوم والفنون هو خير مثال على هذا الواقع المتردّي والبائس.

مشكلة العمل الثقافي العربي تكمن أولا وقبل كل شيء في هيمنة السياسة التامة على المجال الثقافي وتحويله إلى تابع يخضع لحسابات المصالح السياسية لهذا النظام أو ذلك، ما جعل هذا العمل مرآة حقيقية تعكس واقع التناحر والصراع القائم بين هذه الأنظمة، التي كرست القطرية كواجهة تخفي وراءها مصالح النظام وحساباته الخاصة، والدليل هو أن الثقافة في هذه الأنظمة ظلت تعاني من التبعية والضعف وغياب استراتيجيات العمل للنهوض بها وتطويرها.

في هذا السياق أستعيد واقعة بالغة الدلالة على حالة التردّي العربي حدثت أثناء انعقاد المؤتمر التأسيسي لاتحاد المؤرخين العرب في بغداد، وفحواها أن نقيب المؤرخين المصريين يونان لبيب انسحب من المؤتمر معلنا مقاطعة مصر لاتحاد المؤرخين العرب لأن المؤتمر قرّر اتخاذ بغداد مقرا للمؤتمر على خلاف ما أراده الوفد المصري، الذي طالب بأن تكون القاهرة هي مقرّ الاتحاد، باعتبار أن الحضارة الفرعونية أقدم تاريخيا من حضارة العراق.

هكذا انتقل الصراع السياسي بين هذه الأنظمة من الصراع على الراهن، إلى الصراع على الماضي والتاريخ لسبب بسيط هو أن المثقف العربي فقد استقلاليته وموقفه المعبّر عن إرادة واعية وحرة، عندما تحوّل إلى جزء من منظومة النظام السياسية، التي تعمل وفق حسابات ومصالح هذا النظام، ما جعل الثقافة والعمل الثقافي العربي محكوما بجملة التناقضات العربية، وارتهان الثقافة للسياسة وليس العكس، كما كان ينبغي أن يكون.

إن نظرة سريعة إلى واقع جميع مؤسسات الثقافة العربية بدءا من مجامع اللغة العربية إلى وزارات الثقافة والمسرح والسينما واتحادات الكتاب العرب، تكشف عن مدى الضعف والغياب التي تعاني منها، سواء على المستوى القطري أو القومي، لأن الثقافة التي تحوّلت إلى خادمة في بلاط السلطان، قد تخلى المثقف الرسمي العربي عن مسؤولياته الأخلاقية والمعرفية والتنويرية تجاهها لصالح سلطة الاستبداد، التي طالما تعاملت مع الثقافة باستعلاء ظاهر يبطن في داخله عقدة الثقافة التي طالما عانت منها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر