الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

هل يتعرض العرب السنة للخديعة الأميركية مجددا

الحرب الحالية ضد 'داعش' لها وجه حقيقي استراتيجي وسياسي أكثر أهمية من النتائج العسكرية المحتملة في الانتصار على الفلول الإرهابية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2014/12/08، العدد: 9762، ص(9)]

ولدت حكومة العبادي في الثامن من سبتمبر من العام الحالي إثر عملية قيصرية أميركية بموافقة إيرانية، تضمنت إلزام بديل نوري المالكي بقائمة إرشادات سياسية، خلاصتها القيام بحركة إصلاح سياسي تتضمن رفع الظلم والغبن عن العرب السنة.

وتتوافق حزمة الطلبات الأميركية مع قائمة مطالب النواب السنة المجدولة والتي بموجبها تشكلت حكومة العبادي، وعلى إثرها بدأ الأميركان مشوارهم الجديد في العودة إلى العراق وقيادتهم للتحالف الدولي الأربعيني ضد “داعش” في حرب وصفت بأنها طويلة، وقد لا تنتهي بنهاية ولاية باراك أوباما حسب تصريحاته الأخيرة، ووفق استراتيجية عسكرية وأمنية تستهدف طرد هذا التنظيم الإرهابي من العراق، مع عدم الخلط بين احتلال داعش للعراق واحتلاله لأراض سورية واسعة. وعودة الأميركان عسكريا هذه المرة ليس بفرش أرض العراق بـ150 ألف مقاتل، وإنما بتواجد ثلاثة آلاف عسكري من نخبة الجيش الأميركي ينتشرون حاليا في قواعد عراقية منتقاة وبشكل خاص في قواعد بمنطقة كردستان.

ورغم اكتشاف البيت الأبيض، الذي يدير استراتيجية الحرب الجديدة، بأن لا نجاح لهذه الحرب دون العرب السنة، إلا أنهم يعيدون تكرار خديعتهم لأبناء ست محافظات عراقية كبيرة في مشروع تسليحهم وتشكيل حرسهم “الوطني” من خلال انتقاء زعامات سنية مثيرة للانقسام العشائري والمناطقي وثبتت صداقتها لهم عبر السنوات العشر الماضية، والبعض يطلق عليهم (أمراء الحرب) خصوصا في الأنبار، مع الأمراء الجدد في نينوى وتكريت وسامراء وديالى وكركوك. وتولى الجنرال جون آلن معاودة إحياء تلك الصداقات، بعد تعيينه كمنسق عام للتحالف الدولي ضد داعش. ودخلت قضية “تسليح العشائر السنية” في دائرة الشكوك بين الأميركان قادة هذه الحرب، وبين حكومة العبادي الذي يتردد في إعلان مخالفته للمشروع الأميركي، لكنه يسمح لناطقين عن الأحزاب والكتل البرلمانية “الشيعية” بإعلان رفضهم تسليح العشائر العربية السنية من قبل الأميركان الذين التقوا أخيرا مجموعة منهم في واشنطن، وتعهدوا لهم بإعداد (مئة ألف مقاتل) لا يعرف من سينفق عليهم، وسط تسريبات إعلامية بأن هذه الشخصيات ومن بينها النجيفيون لا تمثل أحدا، ونفي ثلاث مجموعات مسلحة (الطريقة النقشبندية، كتائب ثورة العشرين، الجيش الإسلامي) عبر بيانات مستقلة خبر زيارة ممثلين عنها لواشنطن، مثلما أشاعه بعض المحللين الأمنيين القريبين من حكومة بغداد.

إلى جانب تلفيقات إعلامية كثيرة تشير إلى أن “الأميركان هم المدافعون عن العرب السنة في العراق وهم الساعون إلى تأهيلهم، وهناك خطوات لإدخال زعامات مصطنعة منهم للعملية السياسية”. صحيح أن المسؤولين عن الملف العراقي اليوم هم من أوساط الخارجية والبيت الأبيض الذين يجيدون الاستماع إلى العديد من الأطراف والشخصيات العراقية المنتقاة، وكل من يلتقيهم يعتقد بأنهم سيعطوه الغنائم غدا، لكن الحقائق تشير إلى عكس ذلك، فالأميركان ومن يعاونهم في العراق من الشيعة والسنة هم من أنتجوا الحالة الانقسامية المريرة، وهم الذين يثيرون النزاعات بين الجماعات العشائرية، خصوصا باحتضان ودفع من أدمنوا المكاسب الخاصة والنهب إلى الواجهة، واستبعاد الزعامات الوطنية الحقيقية المرتبطة بالناس. كما تدخل مشاريعهم الجديدة لتجديد وتعزيز مشروع “إقليم السنة” المقابل لإقليم كردستان. وهو ما يفسر كثافة النشاطات الأميركية العسكرية في كردستان، التي تحولت إلى قاعدة استراتيجية، سعت القيادة الكردية للوصول إليها عبر استثمار حرب “داعش” لتحقيق مستويات عالية في التحالف العسكري الاستراتيجي، وتسليحهم بأنواع متقدمة من السلاح الثقيل حيث لا تستطيع حكومة بغداد في ظل هذا الجو المشحون الاعتراض عليه، لكن ذلك سيعتبر وفق الاستراتيجيين الأميركان “حدثا هاما على الطريق نحو الاستقلالية الكردية الفعلية، إلى جانب خطوات حكومة كردستان نحو الاستقلالية الاقتصادية”.

الحرب الحالية ضد “داعش” لها وجه حقيقي استراتيجي وسياسي أكثر أهمية من النتائج العسكرية المحتملة في الانتصار على الفلول الإرهابية. فعلى الصعيد الاستراتيجي هي فرصة ذهبية تلتقطها إدارة أوباما لتعيد المهابة الأميركية التي تمخضت في أوحال احتلالها للعراق، وتراجع استراتيجيتها في المنطقة أمام التمدد الهائل للنفوذ الإيراني في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن. أما على الصعيد المحلي العراقي، فتحاول الإيحاء بتعديل سياساتها تجاه العرب السنة الذين أنقذوا العراق والأميركان من تنظيم القاعدة عام 2006 والاعتراف بأخطائهم في ملف “الصحوات”، لكن سياستهم الحالية ما زالت تثير الشكوك بين جمهور العرب السنة بتعرضهم للخديعة مرة أخرى، عبر ما يسمى (الحرس الوطني) المقترح من قبل إدارة أوباما على حكومة العبادي الذي أعلن عن تأييده له، رغم تحفظات الأوساط الشيعية بكونه سيتحول إلى قوة عسكرية في المحافظات العربية السنية ضد حكم الشيعة، وهو ذات التحفظ على مشروع “المصالحة الوطنية” الذي تعهد العبادي بتنفيذ مضامينه، ومن بينها اتخاذ إجراءات إلغاء أو تعديل جوهري “لقانون المساءلة والعدالة” وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين الأبرياء، والدخول بحوار وطني شامل مع جميع من يقف ضد “داعش” ويدعو إلى الدفاع عن الوطن.

ومع ذلك كله، فالكرة بيد العبادي فهو القادر على إجراء عملية إصلاح سياسي جذري قبل إنجاز التحرير من “داعش”، وهناك مؤشرات إيجابية الجميع يشجعه عليها رغم الضغوط الحزبية والسياسية الشيعية التي تأسره وبعضها يريد إفشاله، وهناك من يقول إنه غير قادر على التحرر من تلك القيود، لكن شعب العراق وجميع النخب الوطنية من خارج العملية السياسية ترى أن على العبادي اختيار طريق واحد من بين اثنين؛ إما البقاء في نفق الكارثة الشاملة، أو التحول إلى زعيم وطني يمثل جميع العراقيين.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر