الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الثورة أكبر من تحنيطها في تابوت قداسة

التفكير في إصدار قانون لتجريم الإساءة للثورة مشروع، وحق للمشرع، رئيسا أو برلمانا، إذا ظل مجرد 'تفكير'، ولكن صدور مثل هذا القانون إساءة للثورة، فرض وصاية عليها قبل اكتمال أهدافها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/12/09، العدد: 9763، ص(8)]

لي أصدقاء يرون “25 يناير” مؤامرة، وأصدقاء آخرون يوقنون أن “30 يونيو” انقلابا. الفريق الأول يرى “25 يناير” صندوق باندورا، ولا تكتمل وطنيّته إلا إذا سبّ هذا اليوم، وما ترتب عليه من إصرار على إعادتنا إلى عصور البداوة والجهالة. والفريق الثاني لا يكتمل إسلامه إلا بلعن “30 يونيو”، اليوم الذي قدروا أن يلتقي فيه الجمعان، في حرب أهلية، فشاء الله أمرا آخر.

كلا الفريقين، من أصدقائي، يستأسد بالنضال الفيسبوكي وبالكلام المجاني على طرف ضعيف أو مستضعف. كلاهما انتقى عدوا واستراح لاختيار لا يطاله الشك. كلاهما في بيته طعام طازج وطعام في الثلاجة وسلة مهملات، ولكنه بنزعة مازوخية يزهدُ الطعام، وينشغل بتقليب محتويات القمامة، لا يتخلص منها، بل يحلو له اصطياد بعض محتوياتها، وإعادة نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، في انتصار وهمي يغذي صحة اختيار عدوه، حيث لا بطولة في توجيه السباب لأي أحد، من حسني مبارك لحسين طنطاوي لمحمد مرسي لعبدالفتاح السيسي، أما عدلي منصور فليسامحه الله.

كلا الفريقين، من أصدقائي، كأنه بإبداء العداء المبالغ فيه، والآمن أيضا، يحاول أن يتناسى صمته طوال عصر مبارك، خوفا أو طمعا. ويبدو لي الاستمتاع بجلد الذات، ومزايدات النضال اللفظي، تعويضا نفسيا عن سنوات الذل. كيف نصدق صحوة المهانين، وإفاقتهم المتأخرة؟ اللهم إلا وفقا لقاعدة “الثورات يذهبن السيئات”.

كلا الفريقين، من أصدقائي، لا حرج عليه. سأدافع عن حقه في انتقاد 25 يناير أو 30 يونيو، في إنكار المعلوم من الثورة بالضرورة، ولو تجاهل كلاهما خروج ملايين الحالمين بالحرية والعدل والكرامة في 25 يناير، ثم خروجهم في 30 يونيو أيضا لاستعادة “الدولة” والثورة التي تنحرف عن أهدافها الأولى.

من حق أي إنسان أن يتهم الثورة بما يشاء، ما لم يحمل سلاحا أو يحرّض على عنف. وليس في هذا الإنكار أو الاتهام إساءة للثورة، الحدث البهي رغم محاولات سرقته بادعاء الانتساب إليه، وطمس معالمه وتشويهه. الثورة تتفاعل، فوق السطح وفي الطبقات غير المرئية، وتشق الطريق إلى المستقبل بفنون بدأت به موجتها الأولى، الصمود بصدور عارية في وجه بنادق وزارة الداخلية الدامية مرّة، وبالسخرية مرة، وباللامبالاة بوعيد “الإبادة والسحق في 30 يونيو”، مرة ثالثة.

مثل هذه الثورة، وهي عفوية متجددة، أكبر من تحنيطها في تابوت قداسة، فالثورة أفعال بشرية غير مقدسة، قابلة للإضافة والتطوير، وإعادة ترتيب الأوراق، واتخاذ خطوات تكتيكية وإستراتيجية، وتحتمل التأويل والمراجعة.

الثورة مستمرة وليست فيلما لكي يقرر المخرج وضع كلمة “النهاية”. تابوت القداسة- ولو حرسته قوانين ظالمة ومحاكم تنفذ بعماء تلك القوانين الظالمة، وسجون تغيّبُ في ظلامها ضحايا تلك الأحكام- علامة على موت، على اقتراب “النهاية”.

كنت في بغداد في نوفمبر 2000، وكتبت: “أيامي في العراق كانت كابوسا. كانت صور صدام حسين في شبابه، بنظرته الواثقة المتحدية، تطارد الناس، مواطنين وزائرين، يضطرون إلى إثقال جيوبهم بصوره المطبوعة على عملات ورقية توزن بالكيلوجرام. صورة الرئيس في عشرينات عمره. ليت أحدا نصحه بأن صوره الغزيرة في تلك السن نذير شؤم، إذ تحوّله إلى شخص تأكد لأهله أنه أصبح في حكم الميت أو الغائب، فأرادوا أن يحنطوا تلك اللحظة الغاربة من حياته، ويثبتوا الزمن الذي يتحرك من حولهم وهم غافلون”.

لم يتعرض حدث ثوري أو احتجاجي في التاريخ المصري لما اتهمت به الثورة في “25 يناير” على أيدي القنوات الفضائية المملوكة لرجال المال اللصوص فلول نظام مبارك، و“30 يونيو” على أيدي القنوات الفضائية المحمولة جوّا عبر صحراء الحجاز، أو المملوكة لإسلامجية تكفيريين اعتبروها حربا على الدين. ولكن الثورة/ الحقيقة تجاوزت لغط الفريقين الكارهين، وتواصل الترقّب والتأهب والاستمرار.

التفكير في إصدار قانون لتجريم الإساءة للثورة مشروع، وحق للمشرع، رئيسا أو برلمانا، إذا ظل مجرد “تفكير”. ولكن صدور مثل هذا القانون إساءة للثورة، فرض وصاية عليها قبل اكتمال أهدافها، وإن بلغت سن الرشد. الثورة قادرة على الدفاع عن نفسها، فليتهمها من يشاء بما يشاء، ما دام الاتهام لا يدعو إرهابا (الإرهاب لغة يعني التخويف أو إثارة الفزع). أن يقال إن الثورة “مؤامرة”، أو “انقلاب” حق للقائل الذي لا تبالي به الثورة إذا تحققت أهدافها، وصارت حقيقة على الأرض.

لا يعاقب القانون راكب طائرة يقول إنها في بطء السلحفاة، حتى لو ادّعى أنها ليست طائرة، ففي هذا الإنكار العبثي سخرية تردّ عليها حقيقة الطائرة، باعتبارها طائرة. في حين يتم إنزال هذا الراكب، واعتقاله والتحقيق معه، إذا وجه تهديدا لفظيا، أو مزاحا بأنه يحمل قنبلة، في وقت ومكان لا يسمحان بمثل هذا التهريج، وقد تكرر هذا الإنزال والاعتقال والتحقيق. وفي سبتمبر 2012 ذهب الطفل “جهاد” (ثلاث سنوات) إلى الروضة، وهو يرتدي قميصا قطنيا كتب عليه: “جهاد.. مولود في 11 سبتمبر.. أنا قنبلة”، فانزعج عاملون بالروضة، واتخذ مسؤول محلي فرنسي إجراء قانونيا، وقضت محكمة ابتدائية بالبراءة في بلدة “نيم” الفرنسية، ولكن محكمة الاستئناف أصدرت، في 20 سبتمبر 2013، حكما بإدانة بشرى باجور “أم جهاد” بالسجن سنة مع إيقاف التنفيذ، وتغريمها ألفيْ يورو، ومضاعفة الغرامة لأخيها “زياد”، الذي اشترى لابن أخته القميص.

السماء لم تسقط حكم حسني مبارك، ولكن الشعب أراد، وإرادته من إرادة الله. الثورة ملك للشعب السيد، صنعها بدماء شهداء تحوم أرواحهم في سماء الميادين انتظارا لقصاص يستعصي. كانت الثورة أكثر براءة من زحزحة نظام عجوز خشن ثارت عليه، وقد نضجت وما زال المخاض عسيرا، وإذا صدر قانون يجرّم (يحرّم؟) الإساءة إلى الثورة، فاعلم أن الثورة يراد لها الموت اختناقا، وأن التابوت جاهز، فمع أوهام القداسة ترفع الأقلام، وتطوى الصحف طي السجل.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر