الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

كتابة فوق الكتابة

درج السجناء السابقون وبعضهم شخصيات تولت مناصب قيادية على تسجيل تعليقاتهم على هوامش الصفحات ما أتاح لنا نتعرف على الكثير من أفكارهم.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/12/11، العدد: 9765، ص(15)]

بعد أربع سنوات من السجن المغلق سمحت لنا إدارة السجن العسكري بالقراءة، على أن تقوم إدارة السجن بتوزيع الكتب المسموح بقراءتها علينا من مكتبة السجن، التي تضم آلاف الكتب التي تركها السجناء بعد خروجهم من السجن وراءهم طوال عقود طويلة ظل السجن فيها يستقبل الآلاف من المعارضين السياسيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية.

في البداية قدموا لنا قوائم طويلة في محتويات المكتبة، ما إن بدأنا بقراءتها حتى شعرنا بالخيبة لأن أكثر من نصف الكتب فيها كان ممنوعا من التداول، لتظل الكتب الاشتراكية وكتب التراث والروايات هي الكتب المسموح بقراءتها. كانت تلك القوائم تحتوي على عشرات العناوين الهامة التي سمح بإدخالها إلى السجن بطرق مختلفة، منها ما كان برشوة السجان أثناء فترات الزيارة، أو في مراحل الانفتاح النسبي أو الانقلابات المتتالية التي كانت تجبّ ما قبلها، فتجري مصادرة الكتب التي تتعلق بالمرحلة السابقة وهكذا.

لقد درج السجناء السابقون وبعضهم شخصيات تولت مناصب قيادية حزبية وحكومية على تسجيل تعليقاتهم على هوامش الصفحات، ما أتاح لنا أن نتعرف على الكثير من الأفكار التي كان يحملها هؤلاء السجناء وعلى خلفياتهم الأيديولوجية، الأمر الذي كان يضطرنا في كثير من الأحيان إلى كتابة تعليق على التعليق السابق، ما جعل الكتاب بمثابة منتدى على هامش أطروحات الكتاب، يتمّ فيه تبادل الأفكار، ولكن لمرة واحدة بين شخصيات تنتمي إلى تيارات وأجيال مختلفة.

لذلك كان على قارئ الكتاب الجديد أن يقوم بقراءة المتن والهوامش في آن معا، إذ لا يمكن له أن يكتفي بالكتاب دون أن يتوقف عند تلك الحواشي والتعليقات، التي تشكل متنا ثانيا وثالثا، كانت الأفكار فيها تتوالد من داخل بعضها البعض، وإن كانت تذهب في اتجاهات شتى تعكس تباينا في الأفكار والوعي.

كنا ندرك أن هذه التعليقات لن يقرأها من سبقنا في تدوينها، لكن رغبتنا في الحوار معها، اختلافا وهو الغالب أو اتفاقا كان، يدفعنا إلى الكتابة فوق الكتابة تاركين للقارئ القادم أن يفاضل بين هذه الأطروحات والأفكار، أو يقوم بنقضها وتدوين ما يراه إن وجد في الهامش ما يسمح له بكتابة تعليقه.

هذه التجربة أغرتني بفكرة جمع تلك الكتب وإعادة نشرها مع تلك الحواشي والتعليقات، لأنها تعكس تاريخا من الوعي السياسي والفكري عاشته سوريا في مراحل مختلفة من تاريخها الحديث، مثلته تلك الشخصيات، ويمكن عبرها تلمّس تحوّلات هذا الوعي قياسا إلى ما سبق من تاريخها السياسي.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر