الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

علبة كبريت

ما حصل على الحدود الإيرانية هو رسالة حمقاء وبليدة لدفع العراق إلى منحدر التقسيم وتسليم إرادة الشعب ومصيره إلى أهواء الغيب والطقوس وواقع حال المعتقدات المبتدعة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2014/12/23، العدد: 9777، ص(9)]

من ملاحظاتي الصغيرة، وبعد الأحداث المأساوية التي شهدها العراق في النصف الأول من العام 1991 كانت ملاحظة استيراد سلع إيرانية، ومنها علب كبريت مرسوم عليها خارطة لجمهورية إيران الإسلامية مطوّقة بالورد، ما عدا الحدود مع العراق، فهي مطوقة بالأسلاك الشائكة وفيها فتحات باتجاه بلادنا، كناية عن رغبة الجار الشرقي وأحلامه في احتلال العراق، لإعادة تصدير الإسلام إلى أهله، بعد أن ألبسوه رداء إمبراطوريتهم البائدة.

استذكرت ذلك، وأنا أتابع حال حدودنا وواقع ما آلت إليه الأمور وتدفق الملايين من الزائرين لإحياء مناسبة دينية، وتناول عدد من الكتّاب المنصفين والمحسوبين على توجهات مختلفة، الواقع المر والتجاوز على الأعراف الدبلوماسية، والاستهانة بالخارطة السياسية لجغرافية العراق التي تشهد خروقات مختلفة، أدت إلى سقوط مفهوم الدولة المستقلة، بين الاحتلال المشين لأميركا، وإهداء العراق إلى إيران ونظامها وامتداداته ونياته المبيتة في الانتقام بعد حرب استمرت ثماني سنوات دافع خلالها العراقيون عن وطنهم ووحدتهم، وضحوا بأكثر من مليون من خيرة شبابهم على مذبح صمودهم الأسطوري بوجه أعتى جيوش المنطقة وأكثرها إشكالاً مع العراق، وصولا إلى ما يحصل على الحدود من اتجاهات مختلفة عمّت فيها الفوضى واستدعت تدخل دول كبرى لإيقاف امتدادات الخروقات المهينة، الذي أربطه مع ضياع هوية الدولة وسلطة قوتها في تأكيد سيادتها، لكن ما حصل على الحدود الإيرانية إنما هو رسالة حمقاء وبليدة لدفع العراق إلى منحدر التقسيم وتسليم إرادة الشعب ومصيره إلى أهواء الغيب والطقوس وواقع حال المعتقدات المبتدعة وملايين مازالت تعتمد في حياتها على قراءة الوجوه و(أخذ الخيرة والتوكل) من خلال خطوط الأيدي والأوراق المبللة ببصاق قادة الجموع غير المؤمنة بالحياة، حتى ولو ليوم إضافي واحد.

الحقيقة الصادمة أننا، كأفراد وشعب، نكفّر عن أخطاء لم نرتكبها، فمن يدرك أسرار شعبنا يعرف طيبته، بل وسذاجة واقعه، لكن تداخل السياسة وخبث الأحزاب وتبعيتها دفع بالقطيع كله إلى الهلاك، فبين الاستباحات الكبرى للاحتلال وفيروساته سقطت مدن كبرى في وحل رذائل الإبادة العرقية وتفشي المافيات وغياب المبادئ الإنسانية البسيطة التي توفرها صورة العائلة المحترمة والمؤسسة التعليمية الموقرة البعيدة عن الطقوس وتراثية الأفكار والسلوك، وإلا ماذا تقدّم المدن التي توفر الطعام والشراب واللطم والنواح وهستيريا الأعداد وأرقامها الفلكية، دون الالتفات إلى تنمية الإنسان وحقه في التطور والتعلم والعثور على فرصة عمل تمنحه الكرامة والسعادة مع الأكل والطعام طيلة أيامه وتستره كمواطن ينتمي إلى الأرض لا إلى السماء؟

في أروقة الطعام المبذول هلك عدد من فقراء العراق بسبب الطعام المجاني، تخيلوا فقراء يموتون من التخمة. وفي بلد التكرار ومصيبة نفاق السياسة للمعتقدات اجتمع عدد من الطلبة، لا تتجاوز أعمارهم الأربعة عشر عاماً، للإساءة إلى معلمتهم بأبشع الممارسات الجنسية… وأكتفي.

بمثل هذا الانحطاط لن نحمي بيتنا، فنحن ذاهبون إلى غرف نزل قذر ومشبوه وسيء السمعة. خرق الحدود بالاتجاهات كلها لمن لا يدري أو يصر على إغماض عينيه (عملية اغتصاب جماعي) لسيدة بلاد الأرض.

لماذا كلما تألمت كثيراً، تذكرت صديقاً لي يتآمر لإسعادي بالمطر.. ليطفئ حريق علبة كبريت كانت، ومازالت، تشي بأن “اللعنة مقبلة”.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر