الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

أمة بلا بترول

هل جربت هذه الأمة أن تعلم أبناءها وأجيالها الطالعة أننا سنكون قريبا أمة بلا بترول؟ لأن البترول سينضب حتما مع نهاية هذا القرن.. فهل فكرت الحكومات والأنظمة في مستقبل الأجيال؟.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/12/26، العدد: 9779، ص(9)]

الذي يقرأ شيئا من تاريخ الجيولوجيا سيدرك حجم (المعاناة) المريرة التي تكبدتها الطبيعة على مر ملايين السنين لتقدم للبشرية، على طبق من ذهب، العديد من الثروات الطبيعية الثمينة والتي لا تقدر بثمن ومن أهمها الماس والبترول، والذي يعنينا هو البترول لكوننا أمة البترول بلا منافس في العصر الحديث، فنحن ننتج القسم الأعظم من بترول الكرة الأرضية، ولولا بترولنا العزيز لتعطلت الحياة من حول العالم ولضرب مفاصلها الشلل التام.

ونحن – وبفضل الله – دخلت إلى ميزانيات بلداننا بيسر وسهولة وبلا كثير عناء أموال طائلة تقدر بمئات البلايين من الدولارات سنويا، محطمين أرقاما قياسية في الوفرة والريع النفطي غير المسبوق، فماذا فعلنا بها وبأي اتجاه انفقناها؟ وهل طبقنا تلك المقولة الأكثر بساطة وعفوية القائلة بأن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، المقولة والحكمة التي لا تحتاج إلى علماء في الاقتصاد ولا في الاستراتيجيا ولا في غيرها؟، لكن واقع الحال عكس ذلك تماما، فهدر تلك الأموال والبذخ فاقا حدود التصور، فضلا عن استخدام الوفرة النفطية في التسلح ومزيد من تكديس الأسلحة، هذا إذا أضفنا إلى ذلك متطلبات إدامة مواطن الفتن في عالمنا العربي التي استنفدت هي الأخرى بلايين أخرى وأخرى.

التقارير والتحليلات التي صرنا نقرؤها في الدوريات العالمية المتخصصة بمستقبل البترول في حديثها عن تدهور الأسعار، وما سيصيب الدول العربية الثرية وهي المنتج الأول في العالم لهذه الثروة الناضبة، تجمع على أن هذا الذي وقع من تدهور للأسعار ليس إلا البداية فقط، وأن الآتي أفدح وأخطر، وأن تفاؤل المتفائلين بأنها مجرد مرحلة عابرة وستعود الأسعار إلى سابق عهدها هو تفاؤل في غير محله، بل إن مجلة الشؤون الخارجية الأميركية تذهب إلى ما هو أبعد بكثير بتنبئها بنهاية أسعار البترول والتحكم بها والوصول إلى عصر تعويمها، وأن السوق هو الوحيد الذي سيتحكم بها صعودا وهبوطا، ولا نريد المضي بعيدا في التنبؤات والتوقعات التي رسمها العديد من العلماء والاقتصاديين حول بداية نهاية عصر البترول وعصر الرخاء والريع النفطي، فهي صادمة بحق.

لكن ما يلفت النظر أنك تقرأ هنا وهناك الكثير من الآراء العربية التي تبكي على العصر النفطي وتلوم الذات: لماذا لم نلتفت إلى مثل هذه التحولات الدراماتيكية، فنحسّن الإنفاق وندخر ونستثمر في الصناعات التحويلية والتجارة البينية وإنشاء المصانع وتطوير الزراعة والاستثمار فيها عندما كان الفائض المالي هائلا؟

وتقرأ ما هو أشد تشاؤما ومفاده أن التداعيات على صعيد الواقع العربي، تتبعها تداعيات على صعيد الاستفادة من أموال البترول وأنه مثل كسوف ضرب العالم العربي لن يزول سريعا.

لاشك أنها نهاية عام غير سعيدة تلك، حيث مازال موضوع انحدار أسعار البترول له وقع الصدمة في ظل خسارات سريعة ببلايين الدولارات أصابت أسواق البورصة العربية قاطبة والبلدان النفطية خاصة، وخسارات في الدخل القومي لا تقل فداحة عن ذلك ومع ذلك تسمع ألحانا وأغاني هي التفاؤل المفرط بعينه، إن كل شيء على ما يرام وأن الأسعار ستستقر مع النصف الأول من العام المقبل، بينما يقول محللون غربيون إن النصف الأول من العام المقبل هو البداية الحقيقية لانتهاء السيطرة على أسعار النفط بالشكل الذي كانت عليه.

ما بين هذا وذاك لماذا لا نفكر ولو يوما في أننا أمة بلا بترول؟ ومادمنا أمة بلا بترول فهل يحق لنا أن نعيش مثل سائر البشر دون تلك الثروة؟ وهل أن كل الشعوب على وجه الأرض تعيش على البترول، أم أن هنالك ملايين ومليارات البشر يعيشون من الزراعة وصيد السمك والعمل المضني في الصناعات التحويلية وكل المجالات التي تضمن موارد العيش دون الثروة السهلة والناضبة في آن وهي البترول؟

وهل جربت هذه الأمة أن تعلم أبناءها وأجيالها الطالعة أننا أمة سنكون قريبا بلا بترول؟ لأن البترول سينضب حتما مع نهاية هذا القرن الذي نعيشه.. فهل فكرت الحكومات والأنظمة في مستقبل الأجيال؟

إننا وسط متاهة حقيقية وسط الاضطراب والفوضى التي يعيشها العالم العربي اليوم، ومن الصعب العثور على رؤية مستقبلية في الحد الأدنى تقرع ناقوس الخطر، وكثير من أصحاب القرار يعملون بمبدأ أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، أو على قول السيدة أم كلثوم: غدا بعلم الغيب واليوم لي.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر