الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

1460 يوما من الثورة والثورة المضادة

شعار 25 يناير لن يتحقق إلا في ظل 'دولة' دينها القانون، فلا تمتهن كرامة شبابها بسبب مسيرة سلمية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/12/30، العدد: 9783، ص(8)]

الثورة مستمرة. جملة بسيطة أفقدها التكرار معناها، وفرغها من المضمون، ولكنها حقيقة يجب الإقرار بها بعد أربع سنوات، “من” الثورة لا “على” الثورة. أربع سنوات تكفي للمساءلة، مساءلة الثورة ومساءلة الحالمين بها، وحساب المكاسب والنزيف، ومن النزيف ما لا يمكن تعويضه، “ولو قيل رأس برأس”، فلا يستوي الذين خرجوا في “جمعة الغضب” ينشدون الحرية، بالساخرين من الشهداء ومن فكرة العدالة، أو بإسلاميين لم يرتفع منهم شهيد، فسارعوا حين أصبحوا في السلطة إلى مطالبة أهالي الشهداء بقبول الدية.

الثورة مستمرة. كان المراهنون على التغيير أكثر براءة مما تحتمل ثورة تتربص بها قوى مضادة للثورة، قوى متنافرة ومتفرقة، ولكنها تتوحد على كراهية الثورة، وتتفق في امتلاكها وسائل الإنتاج، واعتمادها على اقتصاد ريعي، وتؤمن بأن تسعة أعشار الرزق في التجارة. بعضها رفع عقب خلع حسني مبارك، مساء 11 فبراير 2011، شعار “الله وحده أسقط النظام”، جاهلا بأن الله لا يسقط أنظمة، ولكنه يهدي من لديه عزيمة إلى نور الثورة، ثم يكون التغيير إرادة شعبية هي من إرادة الله.

تعثرت الثورة ولا تزال، ولن تنجح إلا حين تتحقق أحلام المشاركين فيها، وتروي عطشهم إلى الحرية، الباب الوحيد إلى المستقبل والعيش الكريم. صباح الثلاثاء 8 فبراير 2011، في شارع شامبليون، جلست على الرصيف امرأة في الأربعين، تبدو عليها أمارات جمال مغدور، ينقصها ربيع كهذا يزيح سحابات الهموم، وأدخنة الغاز المسيل للدموع والأسى، ويعيد إلى روحها البريق. كان معها طفلان ينظر أكبرهما إلى السيارات، ويتناول الصغير بعض الكشري. قدّرت أنها زوجة شهيد، أو أم شهيد من أولئك الذين لم يتجاوزوا العشرين. أسند الطفل الكبير قطعة من الورق الكارتوني المقوى إلى سيارة خيل إليّ أن صاحبها تركها على جانب الشارع منذ جمعة الغضب، وتناول من أخيه طبق الكشري، واللافتة مالت وانكبت على وجهها، فعدّلها ولم يسندها، وظلت تنظر إلى السماء، وهما لاهيان عنها بلقمة ربما لا يجدان مثلها في الميدان. كانت الكلمات مكتوبة بخط متواضع، ولم أسأل الطفل الكبير هل كتبها بيده؟ أم أملاها على عابر سبيل؟ أم تطوّع جار لهم بكتابتها: “هتنخلع هتنخلع ولو من غير بنج”.

الثورة متعثرة، وستنجح حين تصل مكاسبها إلى تلك الأم وولديها، وقد صار ذلك الصبي الآن شابا، ومن حقه أن ينتخب مرشحا للبرلمان أو الرئاسة. ذلك الصبي الذي شهد انكسارات الثورة لن يثور مرة أخرى وفقا لكتالوج، وستكون ثورته عاصفة، مثل بطل تراجيدي يواجه العالم بصدره العاري، ولا يبالي.

الثورة متعثرة. نحصد الآن ثمرة البراءة، حين فرحنا بتنحي مبارك، وأخلينا الميدان، وتبادلنا التهنئة، وظننا أنفسنا قد انتصرنا، قبل أن “تستوي” الثورة، أو تنضج خبراتنا، فتخلينا عن أهداف أعلنت في لافتة كبيرة بميدان التحرير: “مجلس رئاسي مدني – دستور وطني – إقالة النائب العام”. ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، وأفقنا على حافة استفتاء 19 مارس 2011، فتنة مبكرة فاجأتنا نيرانها وقد أمسكت بأطراف ملابسنا، فانقسم الشعب إلى مسلمين يقولون: “نعم”، وغير مسلمين تماما من ضحايا “غزوة الصناديق”، طردوا من رحمة الإسلاميين لأنهم قالوا: “لا”. وبقي النائب العام لتتكيف قضية تبلغ حد الخيانة العظمى، حيث تآكلت الدولة.. تعليما وصحة وزراعة وبيعا لأصول صناعية، وتم اختزال هذا الخراب العام في قضية تبديد بضعة ملايين، ومحاكمة مبارك جنائيا، مستفيدا (مبارك والنائب العام معا) من ميل قوى مشاركة في الثورة وقوى الثورة المضادة إلى استبعاد المحاكم الاستثنائية اللائقة بالثورات، فتحولت 25 يناير من حدث شعبي عظيم، إلى مطالب إصلاحية لا تزال قيد التنفيذ.

الثورة متعثرة. لم تحقق آمال الذين فجروها وراهنوا عليها، وفاجأوا بها اليسار في تماهيه مع اليمين الاستبدادي والديني، وعدم قدرة هذا اليسار على تبنّي بديل اقتصادي يطمئن الحالمين بالعدل، وهم يرون بقاء الطبقة المتوحشة لنظام مبارك، جنبا إلى جنب طبقة اقتصادية ذات قناع ديني، في صراع قوى ريعية تخرج الشعب من المعادلة. نسي اليسار وصايا لينين بأن “العدو الأشد بأسا” للثورة هو البرجوازية، إذ “تضاعفت مقاومتها عشرة أضعاف بعد إسقاطها”، وأن القوى المضادة للثورة تستفز الاشتراكيين الثوريين، وتنصب لهم فخاخا يقعون فيها “كالأطفال”، وينفصلون عن الجماهير. هذا تقريبا يلخّص مأزق النخبة المصرية التي سبقها وعي الجماهير.

الثورة متعثرة إلى أن تصبح واقعا يترجم شعار يوم 25 يناير 2011: “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية”. في الأيام التالية لجمعة الغضب تغيّر الشعار فصار: “عيش. حرية. عدالة اجتماعية”، ربما لسهولة الهتاف بكلمة “عيش”، أو حين تأكد للثورة أن التغيير قد بدأ، وإن بقي الشيطان في التفاصيل.

بين الحاكم والشعب ـ السيد صاحب الثروة والثورة ـ شعار 25 يناير الذي لن يتحقق إلا في ظل “دولة” دينها القانون، فلا تمتهن كرامة شبابها بسبب مسيرة سلمية، ولا يمتهن علمها ويداس بأقدام المهووسين بسراب أممية دينية ترجع إلى ما قبل نشأة الدولة الحديثة.

الثورة متعثرة. فليست الثورات بالنيات، وإنما بامتلاك أدوات الإنتاج في عملية تحول اقتصادي ربما تأخذ وقتا، أو عبر فائض من رصيد شعبي غير مضمون في أزمنة الفوران. ولا يعقل أن يكون المنادون بالتغيير والحرية ضحايا ما بعد انهيار حكم استبدادي دعوا إلى إسقاطه، في إحياء عبثي لمقولة عدلي يكن (1864 – 1933): “مساكين هم أنصار الحرية، يأتون ليفكوا عنها إسارها، فيقعون هم في الأسر”، أو في الفخ، لا فرق.

الثورات العربية استحقاق شعبي، ينشد بناء “الدولة”، ويرفض مفهوم المنقذ البطل الفرد الواحد الأحد الذي يمكن، لو وجد أو اخترع، أن يقرر كلمة “النهاية”. لا نهاية للتاريخ، ولا تملك قوة أن توقف حركة الزمن، ولو توقف الحالمون قليلا لالتقاط الأنفاس، والنظر إلى الوراء، إلى أربع سنوات من الثورة والثورة المضادة، في غضب، فطوبى للغاضبين.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر