السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

بانوراما كارثة العراق 2014

صدمة الانهيار العسكري وانكشاف امبراطورية الفساد حصلا بفعل وصول الكارثة درجة الانهيار، وليس بفعل اعتراف سياسي من الحكام أنفسهم.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/01/05، العدد: 9788، ص(8)]

بانوراما كارثة العراق لعام 2014 هي نتاج أحد عشر عاماً ما بين احتلال عسكري أميركي، وحكومات طائفية لم تقدم الإنجازات لهذا الشعب الذي تحدث العراقيون – ومعهم الأميركان – عن مهمة تخليصه من الدكتاتورية وليحققوا له الرفاه والديمقراطية.

سجل السنوات العجاف حافل بالظلم والتهجير والقتل والاعتقال والتدمير والفقر والمرض وانعدام الأمن وغياب شامل لحقوق الإنسان، وتردي الخدمات، وتصدر الجهل بدل الثقافة والمعرفة. والمواطن العراقي لا يحتاج إلى استعراضات للحقائق فهو ضحيتها، ولا يحتاج المتابع إلى ويكليكس لكشف أسرارها، بل تقدمها عشرات التقارير الدولية، وليست المحلية أو المعارضين للعملية السياسية.

الحقيقتان البارزتان؛ أن صدمة الانهيار العسكري وانكشاف امبراطورية الفساد حصلا بفعل وصول الكارثة درجة الانهيار، وليس بفعل اعتراف سياسي من الحكام أنفسهم. يبدو أن الأرقام وحدها لها سطوة الحضور في معايشة الضحية، وحين تتحدث الأرقام يصمت الجميع، ولكن الجناة عليهم الاعتراف وملاقاة المصير، ومشكلة الأرقام في الحالة العراقية تثير الحزن على هذا الشعب العظيم وفي هذه السطور نذكّر ببعضها:

تقرير منظمة الشفافية الدولية وضع العراق الرابع في التسلسل الأخير من حيث الفساد.

وصل عدد ضحايا الغزو الأميركي حتى عام 2009 مليونين و250 ألف عراقي، وكذلك أكثر من 5500 قتيل ومخطوف وسجين بين عالم ومفكر وأستاذ جامعي وخاصة من علماء الذرة والفيزياء والكيمياء والصحفيين، وبلغت الاعتقالات حسب سجلات الأمم المتحدة أكثر من أربعين ألفا في مارس عام 2003، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء اللاتي يتعرضن إلى التعذيب والاغتصاب الممنهج حسب منظمة هيومن رايتس. ولم يتم الاعتراف بانتهاكات الاحتلال العسكري الأميركي للعراق من قبل مجلس الأمن الدولي ولذلك لم يتم تعويض المواطنين العراقيين، مثلما تم للكويت جراء احتلال صدام حسين لها عام 1990.

في مشهد جديد من مسلسل الهجرة والتهجير الطائفي، وصلت أعداد النازحين من مدنهم إلى مليوني شخص عام 2014 بعد اجتياح داعش، يعيشون تحت ظروف لا إنسانية، وسط أحاديث عن عمليات تغيير ديمغرافي تتم بسرية تامة لما بعد تحرير تلك المدن من داعش، إلى جانب تزايد أعداد المسيحيين المهاجرين خارج الوطن. ولم تكن جريمة قتل الإيزيدين في سنجار الأولى، فقد سبق تعرضهم إلى عملية تفجير ضخمة عام 2007 كان ضحيتها 500 إيزيدي بين قتيل وجريح، ولم يتحرك الضمير الأميركي والأوروبي في ذلك الوقت.

فضائح اعتقال وتعذيب النساء واغتصابهن تحدثت حولها منظمة هيومان رايتس في تقرير نشرته في السادس من فبراير 2014 وقالت إن “السلطات العراقية تحتجز آلاف السيدات العراقيات دون وجه حق، وتخضع الكثير منهن للتعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك الانتهاك الجنسي. وكثيراً ما يلجأ القضاء العراقي الضعيف المبتلى بالفساد للاستناد في أحكام الإدانة إلى اعترافات منتزعة بالإكراه”، ووصل عدد الأرامل والأيتام إلى خمسة ملايين. وتصاعدت ظاهرة خطف الأطفال، وتقدر التقارير معدل خطف 500 طفل سنويا بسبب الانهيار الأمني العام في البلاد.

نسبة 70 بالمئة من العراقيين يفتقرون إلى ماء الشرب النظيف، وهناك 64 ألف إصابة بالسرطان اكتشفت خلال خمس سنوات فقط بسبب مخلفات أسلحة اليورانيوم. ويتوقع لهذا المرض الفتاك أن ينتقل إلى مناطق العمليات الجديدة وسط وشمالي العراق بعد الحملات الجوية الأميركية على داعش.

عدد الأميين في العراق بلغ 5 ملايين عام 2009، كما قتل ما لا يقل عن 247 صحفيا عراقياً وأجنبيا خلال فترة الاحتلال.

المركز العالمي للدراسات التنموية، ومقره لندن، نشر تقريرا في 27 فبراير أي قبل دخول داعش وانكشاف الفضيحة، تحدث عن عجز الموازنة العراقية بمبلغ 50 مليار دولار وسيكون العراق عرضة للإفلاس عام 2017. وكانت مجلة فاينانس غلوبال الأميركية قد صنفت العراق في المرتبة الثالثة عربياً استناداً لنصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي لـ182 دولة، يتقدمه فقط اليمن والسودان. وأعلن تقرير الأمم المتحدة في العراق في يونيو 2013 بأن العراق يعتمد بشكل متزايد بنسبة 70 بالمئة على الواردات في تلبية احتياجاته الغذائية من الخضروات والزيوت والطحين والأرز والشاي والسكر.

وكشفت دراسة خاصة بالمدن الأفضل للعيش نظمتها مجموعة مير سير بتاريخ 22 مارس 2014، أن بغداد احتلت المركز الأخير في هذا الترتيب، وأنها العاصمة الأسوأ بسبب انعدام الأمن.

وانتقد تقرير نشرته مجلة إيكونوميست البريطانية بتاريخ 26 مارس 2014 أن كمية الغاز الطبيعي المهدور المحروق المصاحب للنفط الخام المنتج في آبار البصرة فقط تقدر سنوياً بحوالي 12 مليار متر مكعب، وهي كميات تفوق الاستهلاك السنوي للنمسا، في حين لا تلبي الحكومة حاجات الشعب من الطاقة الكهربائية التي تصل الناس بمعدل ثماني ساعات رغم إنفاق 27 مليار دولار على هذا القطاع.

هذه نماذج من أرقام سجلّ الكارثة في العراق تضاف إليها صفحات مؤلمة في الجوانب الاجتماعية التي لا تتمكن المؤسسات من إحصائها، أخطرها الانقسام الطائفي الذي نزل من قمة هرم العملية السياسية إلى أوساط العراقيين، فهل نحتاج إلى أرقام مقارنة لما قبل وبعد 2003؟

بماذا يفسر صمت الأحزاب الحاكمة، هل هو الإذعان لهيبة الأرقام؟ أم التمسك بكرسي الحكم، والاستخفاف بهول الكارثة وإهانة هذا الشعب العظيم الذي لابدّ أن يأتي اليوم الذي يعيد حقوقه. وهل ستتوالى الأرقام خلال عام 2015 أم هناك أمل بالانفراج؟

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر