الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

2015 عام الخجل الثقافي لو كانوا يشعرون

كيف نظر مثقفو حسني مبارك ممن بايعوا السيسي وبارك بعضهم مرسي، في المرآة مساء 31 ديسمبر 2014، وهل خلا نومهم من الكوابيس ليلة أول يناير 2015.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/01/06، العدد: 9789، ص(8)]

هذا مقال مربك ومرتبك، اقترحت له أكثر من بداية.

الأولى: ما الفرق بين شعار الإخوان: “الإسلام هو الحل”؟ ورؤية عبدالفتاح السيسي: “الحفاظ على الدولة”؟

الثانية: كيف نظر مثقّفو حسني مبارك – بتشديد القاف مع الفتح والكسر – ممن بايعوا السيسي وبارك بعضهم محمد مرسي، في المرآة مساء 31 ديسمبر 2014، وهل خلا نومهم من الكوابيس ليلة أول يناير 2015؟

الثالثة: ألا يوجد في السلطة القضائية والتنفيذية رجل رشيد يطرح افتراضا ينتهي بالإفراج عن معتقلي الحرية، ولو اعتبرهم هذا المسؤول قتلة مثل مبارك وجلادي وزارة داخليته؟

في تدافع البدايات أوعزت إلي نفسي، الأمارة بالسوء أحيانا، بألا أبدأ العام الجديد بجرّ شَكَل الذين لا يعنيهم أن يواروا سوءاتهم. نفسي اللوامة في ازدواجيتها دعتني إلى الاكتفاء بالحكي، ودلتني على صورة ترجع إلى 12 مايو 2014، وقد احتفظت بها، بحسن نية، فإذا سارت الأمور وفق شريعة ثورة دينها “الحرية” عفا الله عما سلف، ولو كانت الأخرى فالعود أحمد.

وفي الصورة التي جمعت السيسي ونحو تسعة عشر من وفد “المثقفين” ثلاثة أحمدات (مرسي، عبدالمعطي حجازي، سويلم، مراد)، ويوسف زيدان، وجمال الغيطاني ويوسف القعيد (الشيء بالشيء يذكر)، وفؤاد قنديل، وفريدة النقاش، وإقبال بركة، ومحمد سلماوي، وفاطمة ناعوت، وهالة البدري، ومحمد إبراهيم أبوسنة، ومصطفى القاضي، وجابر عصفور.

عدد كبير، يكسر الرقم السابق، في 30 سبتمبر 2010 لمبارك وأحد عشر كاتبا اختارهم فاروق حسني: فوزي فهمي، وصلاح عيسى، ويوسف القعيد، ومحمد سلماوي، وعائشة أبوالنور، والسيد يسين، وأنيس منصور، وخيري شلبي، وسامية الساعاتي، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وجابر عصفور (حسب ترتيب وقوفهم).

واتقاء للحسد، ربما، لم تنشر صورة للقاء السيسي والمثقفين في 20 ديسمبر 2014 تضم هذا العدد. ولكن اللقاء أعقبه مديح لم يحلم بمثله مبارك الذي كان حظه صفحة واحدة في الأهرام عنوانها “لقاء مبارك مع المثقفين.. بأقلام كتاب الأهرام”. كتب السيد يسين مقالا عنوانه “لقاء ثقافي فريد”. وكتب القعيد: “لقد كان المهم بالنسبة إلي صحة الرئيس وحضور ذهنه وتوقده وبساطته ورغبته في الاستمرار معنا أطول فترة ممكنة”. وكتب خيري شلبي تحت عنوان “مصر في بعث جديد” أنهم كانوا “مجموعة من الأصدقاء في ضيافة أخيهم الأكبر. هذا الشعور أخذ يتأكد ويتعمق من لحظة إلى لحظة في ظني هذه الأريحية التي أغدقها علينا الرئيس بكرم لم أشهد له من قبل نظيرا إلى درجة أن الجلسة استمرت أربع ساعات لم نشعر بمرورها على الإطلاق. أول شعور مبهج تناقلته نظراتنا كان مبعثه الاطمئنان على صحة الرئيس. كانت الشائعات – قاتلها الله – قد ألقت في روعنا أن الرئيس في وعكة صحية… إن أكبر وأهم محصول خرجنا به من لقاء الرئيس هو الرئيس نفسه. لقد خيل إلي شخصيا أنه كان على سفر ثم عاد إلينا قويا فتيا ليقود أحلام مصر وطموحاتها في بعث جديد”.

وأبدى حجازي سعادته “حين وجدت الرئيس في كامل لياقته، موفور الصحة، حاضر البديهة، متوقد الذاكرة… أسعدني كذلك أن أرى الرئيس متفقا معنا إلى حد كبير حول المبادئ الفكرية والأخلاقية التي يجب أن يكون عليها وجودنا كشعب”. بعد خلع مبارك، كتب حجازي نفسه في الأهرام نفسها عن: “طغيان مبارك.. أنهك المصريين وأذلّهم وبدّد ثرواتهم واستنفد قدرتهم على الاحتمال ودفعهم أخيرا إلى الثورة”.

لقاء السيسي حظي من المثقفين بما لم يحظ به تشرشل بعد الحرب العالمية الثانية. لم يكافئه الشعب على إنقاذ البلاد من السقوط في قبضة النازي إلا بكلمة: “شكرا”، قالوها بالإنكليزية طبعا. لا يكافأ أحد بالسلطة، ولو كان نبيا رسولا، على إنجاز في الماضي، وإنما يكلف القادر على تنفيذ مشروع للمستقبل. وكان الشعب قد تغير مزاجه، فالمنتصر في حرب لن يكون مؤهلا لمعركة البناء، وهزم حزب المحافظين عام 1945.

شغل اللقاء آخر 11 يوما من عام 2015. كتب عنه حضوره: السيد يسين، سلماوي، وحجازي، والقعيد وآخرون، أما الغيطاني فمنحه الله الهمة ليكتب في صحيفة الأخبار صفحة في اليوم التالي 21 ديسمبر، ثم منحه الله القوة ليكتب في الأخبار في 31 ديسمبر، صفحة أخرى، كاملة أيضا، لا يعلوها تاريخ العدد، كأنها صممت لتوضع في برواز وهذا لا يعنينا، المهم أنه قال، في ما قال، إن السيسي: “الزعيم الثاني في تاريخنا الحديث الذي يولد من رحم الشعب”.

لم يكن بين الذين قابلهم السيسي أحد له قلب أو أب اعتقلت ابنته بتهمة المشاركة في مسيرة صامتة رفضا لقانون التظاهر، مع مراهقين لم يفطنوا لمكر عدلي يكن: “مساكين هم أنصار الحرية، يأتون ليفكوا عنها إسارها، فيقعون هم في الأسر”، حيث يوجد الشاعر عمر حاذق الذي مضى عليه في السجن أكثر من عام، بتهمة الاشتراك في وقفة احتجاجية للمطالبة بالقصاص من قتلة خالد سعيد. وكان حاذق معارضا لفساد بمكتبة الإسكندرية، فسارع مديرها إسماعيل سراج الدين ـ وهو مطلوب لعدالة مؤجلة ـ بعد الحكم الظالم إلى فصل الشاب من عمله بالمكتبة، وأصبح سراج الدنيا والدين مستشارا لرئيس الوزراء.

كان على “المثقفين” أن ينبهوا السيسي إلى أن شعاره “الحفاظ على الدولة” مساو في المقدار ومضاد في الاتجاه لشعار “الإسلام هو الحل”، فلا تبنى “الدولة” إلا بالحرية التي لولا الرهان على بلوغها، في “جمعة الغضب”، لظل مبارك رئيسا، وطنطاوي وزيرا للدفاع، والعادلي وزيرا للداخلية. لم يأخذوا منه وعدا بإلغاء قانون التظاهر غير الدستوري، والإفراج عن أنصار الحرية المساكين، ولكن إبراهيم عبدالمجيد كتب أنه الوحيد الذي حدّث السيسي عن ضرورة الإفراج عن شباب الثورة.

كان عليهم أن يخجلوا ويقولوا إن السجناء ليسوا أرقاما، أن يذكروا أسماءهم، أن يهدوا الرئيس رواية عمر حاذق الجديدة، ويكتبوا له إهداء: “اعتبره مثل مبارك، من القتلة يا أخي، وأفرج عنه هو والشباب والطلبة، يفرج عنك ربنا”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر