الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

أين جيشنا

الجيوش مثل الفرقة السمفونية لا تحتمل نشاز عازف واحد، فما بالك بقادة فاشلين وغير متناغمين في الإدارة والإعداد والتسليح والانضباط والتدريب، والأهم الصمود في ساحة المعركة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/01/06، العدد: 9789، ص(9)]

ارتعش من برد.. الأرض ترتعش من قصف مدفعي، الزمن 20 سبتمبر 2012 قابع في غرفة صغيرة، من شباك فندق تسوره الثلوج، في زاوية منه، لماذا الحرب لا تريد أن تنتهي؟ تلاحق ما تبقى مني، أتابع شريط الزهايمر وزيادة نسبة الهدر المعرفي، ما اسم صديقي الذي قتل في سن الـ 18؟ فيه رائحة الرحمة، ربما رحمان أو رحيم إرحيّم، أتذكر مهدي، مثلاً، ولن أنساه، مظفر الضاحك أبدا، محمود السائق باتجاه صحراء بعدها صحارى، وضابط قتيل، كريم، آخرون يمتلئ بهم سجل كبير، آلاف الأسماء، لو كتبنا أسماء ضحايا الحروب لن ننتهي.

6 يناير 2015، في نهار مشابه من 1921، تم تأسيس الجيش العراقي، ورغم تاريخه المرتبط بالمجد أو الانكسار فهو لا ينسج رداء قداسة ما، فمقاتل أصدقائي وأحبتي وأنهار الدموع والمآسي ومقاساتي الخاصة ومعايشتي للحرب لا تسمح أبداً بعد واقعنا كله وانهيار منظومة الدفاع عن الوطن، والسور المتهالك، إلا أن أتناول بيسر جيشنا كما في جيوش العالم كلها. في النهاية نحن كائنات بشرية، نحتاج إلى الهواء والماء والطعام والنوم، وجميع مستلزمات الحياة الأخرى، وتحضرني من قراءاتي الكثيرة عن الحروب، هزيمة الجيش الفرنسي في إحدى معاركه قبل القرن العشرين، دون قتال، كانت الذرائع في الخنادق أو السلاح أو المناخ، لكن الحقيقة كانت كامنة في إلغاء الإجازات لمدة تصل إلى 3 أشهر وهذا يعني فقدان الصلة بالعائلة أو الحب، ولكم أن تشحذوا أفكاركم لتجدوا لي الاعذار في عدم الكتابة عن تفاصيل تتراجع فيها جميع الجيوش عن أداء مهماتها الأساس في الدفاع عن الوطن.

شهد جيشنا إعدام الكثير من ضباطه لأسباب شتى، وإعدام الجنود أثناء المعارك الكبرى، هكذا الحروب دامية في كل مكان ولن يختلف عنها جيشنا، وهناك ضباط فاسدون مرتشون دفعوا بالفقراء إلى أتون الموت وأنقذوا آخرين مقابل المال الحرام، وهناك من تخلى عن جنوده في المعارك الطاحنة، وهناك من قاتل مع جنوده وتقدمهم للقتال عن موضع وقتل وكان نموذجاً للآخرين، وبعض الضباط لقوا مصارعهم على أيدي جنودهم لا علاقة لخيانة الوطن بها، لكنها الإهانات وسوء معاملة الآمر لجنوده، مع جميع ما ذكرت لابد من وقفة كتبت عنها مرارا، لا يمكن تصور بشاعة مماثلة عبر التاريخ لبشاعة رؤية جيش مهزوم، فالهزيمة تكلف غالياً، في الخسائر البشرية والمعنويات وانهيار الجبهة الداخلية، وصعوبة إعادة الأمور إلى نصابها، ولنا في هزائم أمتنا أصداء لم نشف منها بعد.

استعيد موت أحبتي باحترام عظيم للحياة، استعيد رفعة الرأس للجيش العراقي في معاركه الوطنية على حدوده أو خارجها دفاعاً عن أمنه وعن مصير أمته، لكن دون قداسة، وأتمنى أن يكتب الباحثون عن تفاصيل المعاناة الإنسانية وصلة الجنود بضباطهم والفوارق بين قيادة وأخرى، ولماذا هزم هنا، وانتصر هناك؟ ما الذي كان يجري من أحداث في جبهات القتال؟ خيانة الواجب ماذا عنها؟ لماذا انتصر العراق في معاركه الأخيرة قبل حكاية تجرع السم؟ أستعيد ذاكرة 6 يناير لسنوات الحرب الثماني في جبهة شرق البلاد، وأنا أدرك معنى تلال الجثث ومحارق بساطيل الجنود وأغطيتهم ومجهولية هوياتهم، صورة لعائلات قرب جسر خالد في البصرة وهم ينتظرون أخبار أبنائهم، لن تغادر ذاكرتي.

الحكمة أن تنتصر الجيوش الوطنية في معاركها، هناك من لا يهتم للتفاصيل، ولهؤلاء أختم مقالتي: الجيوش مثل الفرقة السمفونية لا تحتمل نشاز عازف واحد، فما بالك بقادة فاشلين غير متناغمين في الإدارة والإعداد والتسليح والانضباط والتدريب والأهم الصمود في ساحة المعركة. بعد الآن توقعوا جيشاً جديدا، ثم آخر، وبعدها جيشاً مختلفاً، الحقيقة مرة، والعراق يحتاج أن يتوقف ليفكر في إعادة إنتاج نفسه، وليس جيشه فقط.

ماذا تركت خلفي وأنا أكتب مرتعشاً مقالتي هذه؟ الأفكار ليست متسقة، لا تخف أيها العنكبوت، فاليوم ضغط دمي مرتبك مثل صدى القذائف، لكنك لم تعد غريباً، بإمكانك أنت وعائلتك الكبيرة السكن في أي بيت تشاء، في الأقل بك لن يكون البيت مهجوراً.

قبل أشهر شاركت في تشييع شيخ العسكرية العراقية والعربية الفريق أول الركن عبدالجبار شنشل إلى مقبرة شهداء الجيش العراقي في مدينة المفرق الأردنية، رأيت قبور الجنود من جميع أطياف العراق مع قادتهم، وفي مقدمتهم الرئيس عبدالرحمن عارف، تعرفت هناك على عراق موحد في البطولة والتضحية والموت من أجل حياة العراق ومجده.. وجدت العراق، لكن أين أجد جيشنا؟

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر